X
تبلیغات
رایتل
الإسلام العربی
دعوة إلی الحقیقة
 
1390/01/15 :: 02:20 ب.ظ :: نویسنده : .

إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ ألله الإِسْـلاَمُ (سورة آل عمران: 19)



البوذیة والثقافة الغربیة المادیة

إِن تَدْعُوهُمْ لَا یَسْمَعُوا دُعَاءکُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَکُمْ وَیَوْمَ الْقِیَامَةِ یَکْفُرُونَ بِشِرْکِکُمْ وَلَا یُنَبِّئُکَ مِثْلُ خَبِیرٍ (35:14)

أحد أسباب اهتمام العلم بالبوذیة لم یکن وجودها فی الشرق الأقصى - موطنها التقلیدی - ولکن کان بفضل الدّعایة التی نالتها فى الغرب. وترجع بدایة هذه الدّعایة إلى القرن الـ19، وقد استحوذت على اهتمام أکبر فی النّصف الثانی من القرن الـ20 عندما صارت تقلیعة لمن یریدون أن یبدوا أکثر"أصالـة". وترجع بدایة هذه التقلیعة إلى ثقافة البوب فی العام 1960عندما تحوّل عدد کبیر من شباب الغرب وبعض المفکرین الغربیین من المسیحیة التقلیدیة إلى باحثین عن شیء آخر، وقد وجدوا ما یبحثون عنه فى دیانات الشرق الأقصى. وکان الدافع الأساسى لهذا البحث هو الرغبة لجذب الاهتمام بمخالفة ما هو قائم.

وعندما أعلن جورج هاریسون عضو فرقة البتلز الذی ساعد فی التعریف بثقافة البوب فى العام1960 أنّه صار هندوسیا (دیانة ملحدة سبقت البوذیة) ثمّ قام لاحقا بتسجیل مؤلفه فی الموسیقى المسمّى بالانجلیزیة "مای سویت لورد"، وهی أغنیة للآلهة کریشنا، تبعه فی ذلک العدید من جمهور البتلز. وقام جون لینـون باستعمال أسبار بوذیة فی أغنیته "عبر الکون" التی غناها بالأنجلیزیة، کما استعمل الترانیم البوذیة وکذلک الزّی البوذی، وکانت هذه الأعمال الفنیة ذائعة الصیت فی أوساط الهیبیز خلال أعوام الستینات والسبعینات.

ومما یجلب الانتباه أنّ معظم الأعمال المعماریة لفنون ثقافیة شعبیة فرضت البوذیّة على المجتمع الغربیّ، وفی هذه العملیة قادت هولیود زمام الأمر. ومن المعروف عموما أنّ هولیود تعکس أفکار الجناح اللبرالی للمجتمع الأمریکی الذی غالبا ما یؤیّد الأفکار المضادّة للدّین والقیم المناقضة للأخلاق المسیحیة والإیمان. وکمثال فإنّ معظم الأفلام تفرض بقوة نظریّة النشوء والارتقاء على أذهان المشاهدین. وفی الجدل القائم بشأن کون نظریة النشوء والارتقاء تقف فی مقابل الخلق، یلاحظ أنّ الأفلام التی لها صبغة "علمیة" غالبا ما تنحاز إلى جانب الداروینیة. وبدأت دعایة هولیود المناهضة للدّین والمنحازة لداروین بالفیلم الشهیر المسمى "لِتَرثِ الرّیح". أما فی أفلام الیوم فإنّ الاتجاه نحو الاستخفاف بالاسلام أصبح استراتیجیة واضحة للعیان.

ولکن رغم أنّ هولیود عموما لا تقبل الأدیان السّماویة مثل المسیحیة والإسلام، فإنّها تأخذ منحى مختلفا تماما عندما یتعلق الأمر بالبوذیة بعرض هذه الدّیانة بطریقة جذّابة جدّا باعتبارها دیانة مسالمة ومُحبّة للإنسانیة. وقد تولت أفلام مثل فیلم "سبع سنوات فی التبت"، تمثیل النجم براد بـت ومعه کـندن، وهو عن حیاة "الدّلای لاما"، ومن إخراج مارتن سکورسیز، وتولت عملیة إشهار شعبیة لبوذا وسط مرتادی السّینما من الجمهور.

ومن أجل نشر الدّعایة البوذیة فإنّ الحیاة الخاصة للممثلین والممثلات تصبح مهمّة تماما مثل الفیلم نفسه. وقد أعلن رئیس مدرسة "نـاینقما" التابعة لبوذیة التبت أنّ "أستیفـن سیقـال"، وهو معروف بأدواره فی أفلام العنف بأنه استنساخ لما یسمى "لاما" عاش فی القرن الخامس عـشــر (راهب بوذی من التبت أو منقولیا)! وأیضا هنالک الممثل الشهیر المسمى "رتشارد جیـر"، فإضافة إلى الکتب التی یعدّها للترویج للبوذیة قام بتأسیس "بیت التّبت" فی نیویورک مع "رتشارد ثیرمان" والـد الممثلة "آمـا ثیرمان". ومن الممثلین البوذیین المعروفین "تینا تیرنر"، "هاریسون فـورد"، "أولیـف ستون"، "هیربی هانکوک" و"کیرتنی لف".

بالطـبع فحیاة المرء الخاصّة ومعتقداته لا تخص أحدًا غیره، والناس أحرار فی اختیار الدیانة التى یرغبون فیها. غیر أنّ هؤلاء الأفراد لو تعلموا شیئا عن الإسلام الحقیقی فمن المؤکد أنّ قلوبهم سوف یدخلها النور. ولکن الصورة التی عُرضت حتى الآن تنتهی بنا إلى خلاصة مهمة، وهی أنّ البوذیة تستحوذ على هذا الاهتمام لأنّها اتّبعت ورُوّج لها فی الغرب حیث تسود الثقافات المادیة. وفی المقابل وقع إبعاد الثقافة الغربیة عن خصائصها الرّوحیة القائمة على الأساس الیهودی- المسیحی.

أَیُشْرِکُونَ مَا لاَ یَخْلُقُ شَیْئاً وَهُمْ یُخْلَقُونَ{191} وَلاَ یَسْتَطِیعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنفُسَهُمْ یَنصُرُونَ (7:192)

ولکن لماذا حدث ذلک؟ للإجابة على هـذا السؤال یتعین أن نحدّد أوّلا الخصائص الرئیسیة للمادّیة الغربیة. فلقد تـمّ إرساء الأسس الثقافیة لها فی القرن الثامن عشر، کما أُسس إطارها النظری فی القرن التاسع عشر، ورغم تآکل الإطار النظری، أصبحت حرکة جماهیریة فی القرن العشرون، وبالضرورة فهی:

- تنکر وجود إله وتؤمن بأنّ الکون جاء نتیجة للمصادفة.

- تعتقد أنّ الکائنات الحیة اکتسبت شکلها الحالی من خلال النشوء والإرتقاء،

وأنّ الداروینیة تفسّر ظاهرة الحیاة و "مصدر" أنواع الکائنات.

- تعتقد أنّ البشر ببساطة هم فصائل أسمى من الحیوان و تقلّل من أهمیة وجود

الرّوح فی البشر.

- تنکر فکرة الحیاة بعد الموت، والقیامة، ویوم الحساب ووجود جنة ونار.

إنّ هذه الافتراضات ذات الطبیعة المادیة، وبالرغم من أنها زائفة وتناقض جمیع الأدیان السماویة قد وجدت لها تناغما مع ثقافة أخرى هی الثقافة البوذیة.

اکتشاف هکسلی للبوذیـة:

وباعتبارها دین کفر فإنّ البوذیة لا تقبل وجود إله ولا آخرة ولا جنة ولا نار. وتؤمن بأنّ الرّوح البشریة لا تختلف عن روح الحیوان، وتؤمن بالعودة الکارمیة (العاقبة الأخلاقیة)، أی العودة باستمرار إلى العالم بإعادة المیلاد. وطبقا لاعتقاد بوذا فـ"السّمکة" یمکن أن تعود "فیـلا" فی حیاة أخرى، والشّخص یمکن أن یعود بعد موته فی شکل" دودة ". إنّ هذه الفکرة المتمثلة فی "انتقال الأرواح" بین فصائل الکائنات لها ما یوافقها فی نظریة النشوء والارتقاء لداروین.

Thomas H. Huxley

وقـد وصف أحد الباحثین فی البوذیة العلاقة بین البوذیة ونظریّة النشوء والارتقاء کما یلى: "إنّ البوذیة ... سعیدة تمامًا بنظریة النشوء والارتقـاء. وفی الحقیقة فإنّ الفلسفة البوذیة تتطلب فعلا عملیة نشوء وارتقاء، فکلّ الأشیاء ینظر لها باعتبارها فی حالة تحوّل، ویتحقق وجودها بتواتر لمدة ثم تتلاشى. إنّ فکرة عدم تغیّر فصائل الکائنات لن تکون متفقة مع نظریة طبیعة الوجود المنسوبة للبوذیّة".

ولـهذا السّبب یشعر أتباع داروین بالتعاطف تجاه البوذیّة وقد روّجوا لها باستمرار منذ القرن التاسع عشر.. وکان أوّل من عبر عن ولعه بالبوذیّة تـوماس هـ . هیکسلی، الذی جاء بعد داروین ولعب دورًا مهمّا فی انتشار الداروینیة. ولقد ظهر هکسلی على المسرح کأکثر المؤیدین لداروین، وعـرف بأنّه "کلب داروین الوفی". وقد کان للمناظرات التى أقامها مع العلماء ورجال الدین المدافعین عن فکرة "الخلق" وکتاباته وأحادیثه قد جعلت منه أشهر مدافع عن الدّاروینیة فی القرن التاسع عشر.

مـن الحقائق البسیطة المعروفة عن هیکسلى اهتمامه بالبوذیّة، وحتى خلال مجادلاته مع ممثلی الأدیان السّماویة مثل الیهودیة والمسیحیة کان ینظر للبوذیّة باعتبارها تناسب الحضارة العلمانیة التى یرید أن یراها قائمة فی الغرب. وقد أوضح ذلک فی مقال بعنوان: "الفلسفة: مقالات من الشرق والغرب"، وأیضا کتابه: "البوذیة عند هیکسلی على ضوء النشوء والارتقاء والأخلاق"، وهو یتضمن الوصف التالی للبوذیة:

David Hume

"البوذیة نسق لا یعرفُ إلهًا بالمعنى الغربی للکلمة، وینکرُ الرّوح عندالإنسان ویحسب الإیمان بالخلود نوعًا من الحُمق وتمنیه خطیئة؛ والبوذیة ترفض أیذ تأثیر لمن یصلّی، وهی تطلب من النذاس أن لا یرجو شیئا سوى خلاص أنفسهم بجهودهم الشّخصیة... ورغم ذلک انتشرت فى جزء کبیر من العالم القدیم بسرعة مذهلة، وما زالت العقیدة المسیطرة على جزء کبیر من البشر، وأساسها خلیط من العقائد الأجنبیة".

إنّ السبب الوحید وراء ولع هیکسلی بالبوذیة هو أنّ البوذیة تتفق مع توجهات هیکسلی الفکریة، ووتنسجم معها فی عدم الإیمان بالله. وطبقـا لما یقوله "فیجیسا راجاباکس"، وهو بروفسور فی جامعة هاوای وکاتب "البوذیة عند هیکسلی على ضوء النشوء والارتقاء والأخلاق" فـ:"إنّ هیکسلى یرى وجود اتفاق بین البوذیة والأفکار الملحدة الکافرة لقدماء الإغریق، وهذا ما ساهم فی ولعه بها. إنّ مـیل هیکسلی الثابت لربط الأفکار البوذیة بالأفکار الغربیة، والذی جاء بشکل لافت فی مقدمة تعقیبه على مفهوم المادة تمّ تبسیطه أکثر فی مستویات أخرى من حواره أیضا. لقد وجد أنّ موقف الإلحاد الذی یتبناه البوذیون الأوائل مشابه لنظرة هیرقلیدس، وأیضا أشار إلى العدید من شبه التطابق بین الرواقیین (أتباع زینون) والبوذیة...".

لاحظ "راجاباکس" أیضا أنّ بعض المعتقدین فی وجود إله أو اللا أدریین (من یعتقدون أنّ وجود الله وطبیعته وأصل الکون أمور لا سبیل لمعرفتها) ممن عاشوا فی القرنین الثامن عشر والتاسع عشر کانوا أیضا من المولعین بالبوذیة. کما أنّ بعض الأفکار شبه المتطابقة بین البوذیة والفلسفة الغربیة المادّیة الیوم تشکل جزءا من أفکار "دیفید هیوم"، وهو فیلسوف أسکتلندی من القرن الثامن عشر یؤمن بوجود إله مع کرهه للدّین. وقـد کتب "راجاباکس" ما یلى: "مما یثیر الاهتمام أنّ شبه التطابق الموجود بین البوذیّة ومواقف هیوم حول موضوع الروح القدس قـد اکتسبت اهتماما جادا من بعض المفکرین الأوائل فى مواضیع البوذیّة". ثم یواصل قائلا: إن ریس دیفیدس [مترجمة رائدة لنصوص البوذیة من لغة البالی إلى الأنجلیزیة] لاحظت کمثال ما یلی: " فیما یتعلق بالاعتقاد فی روح غیر مسکونة أو ذات دائمة لا تتغیر، ولا تتألم ... کان للبوذیّة موقف منذ ألفین أو أربعة آلاف عام یسبق موقف هیوم الذى ظهر قبل قرنین فقط".

وکما دلّل "راجاباکس" فی مقاله فإنّ البوذیّة أثارت فضول العدید من المفکرین بأنجلترا خلال الحقبة الفکتوریة لأنهم وجدوها منسجمة مع الفلسفات التی سادت فی القرن التاسع عشر مثل اللادینیة والبوذیّة. ولقد نظر الفیلسوف الألمانی الشهیر فریدریک نیتشه بإعدا إلى البوذیة للسبب ذاته.

تعا طف نیتشه مع البوذیة:

Friedrich Nietzsche

الفیلسوف نیتشه من المفکرین الأکثر تعلقا بالإلحاد خلال القرن التاسع عشر، وقد تبنى کراهیة عمیقة للدیانة المسیحیة وروّج بدلا عنـها لثقافة الإلحاد. وساعدت أفکاره على تشکیل الفاشیة فی القرن العشرین وساعدت بصفة خاصّة على الترویج للنازیة. ناهض نیتشه المسیحیة التى ترید المزاوجة بین فضائل الشفقة والرّحمة والتواضع والإیمان بالله، وبالتالى فهو أیضا ضدّ مبادىء الإسلام الأخلاقیة وضد القیم الیهودیّة الملتزمة، وقد کره الأدیان السّماویة لیس بسبب مبادئها الأخلاقیة فقط ولکن أساسًا بسبب إلحاده المتشدّد. وفی مقال له عن نیتشه کتب الباحث الأمریکی "جاسون دى بوا" : " إنّ الإلحاد جزء مهم من فکر نیتشـه" ویضیف قائلاً: "لم یکن نـاقدًا موضوعیّا، إنّ نیتشه یلتهب بالکراهیّة ضدّ المسیحیة، وکانت کتاباته الملحدة ذات نـقد لاذع وقاس للغایة".

وکما نرى، فإنّ نیتشه قد وجه کراهیته نحو الأدیان السّماویة فقط، ولیس ضدّ أدیان الکفر أیضا، وبالمقابل کتب دى بوا ما یلی: "رغم أنّ نیتشه یعد واحدًا من أشرس الملحدین فى التاریخ، إلاّ أنّه حقیقة لیس معادیا للدّین بالکامل... فقد کان یحترم ویحبّ العدید من جوانب الدّیانات الأخرى بما فی ذلک الأدیان الوثنیّة وحتّى البوذیّة...".

وعنـد مراجعته لکتاب: "نیتشه والبوذیّة: دراسة حول مذهب العدمیّة" للکاتب روبرت ج. موریسون یقول الأنجلیزى الأکادیمى دیفید ر. لوی ما یلی حول هـذا الموضوع:

"إنّ إجراء مقارنة بین نیتشه والبوذیّة صار شیئا تقلیدیّا، ولسبب ما یبدو أنّ هنالک نداء عمیقا بینهما: موریسون یشیر إلى اشتراکهما فی عدة ملامح: فکلاهما یشدّد على أنانیة البشر فی عالم لیس فیه إله ولا یتطلع أیّ منهما إلى کائن خارجی أو قـوّة ما لحلّ مشکلتهما المشترکة بشأن الوجود ... وکلاهما یعرف أنّ الإنسان سیل دائم التغیّر تتملکه قوى نفسیّة مرکّبة، وداخل هذا السّیل لا یوجد شیء مستقلّ بذاته أو موضوع لا یتغیر ( یعنی الرّوح)".

إنّ مصادر هذه الأفکار الخاطئة التى یتقاسمها نیتشه و بوذا لا تعدو بالتأکید أن تکون أکثر من جهل وغرور. وکلّ من ینظر إلى الکون والطبیعة بذکاء ووعی سوف یرى دلائل واضحة على وجود الله تعالى، وقد ثبت ذلک ذلک بالمکتشفات العلمیة الحدیثة: نظریة الانفجار العظیم، ومبدأ "الإنسان هو غایة الکون" (المبدأ القائل بأنّ کل تفاصیل الکون تمّ ترتیبها بعنایة لجعل حیاة البشر ممکنة) قد أنهت فکرة أنه لا وجود لإله التی قدمها نیتشه وغیره من الملحدین. والعلوم الحدیثة جاءت بأدّلة واضحة أنّ الکون قد خلق وتمّ تنظیمه بتوازن غیر عادی. هـذه الأدلة تکشف بطلان نظریّة داروین حول النشوء والارتقــاء وتثبت حقیقة الخلق، وتلغی فکرة وجود نسق ذکیّ یدیر العالم. لقد أبطلت الاکتشافات العلمیة والاجتماعیة أفکار نظریات مفکری القرن التاسع عشر مثـل مارکس وفروید ودرکهایم. (للمزید من المعلومات یرجى مراجعة مقال هارون یحیى " انهیار الإلحاد: نقطة تحوّل فی التاریخ" وهو موجود فی الصفحة التالیة: http://us1.fmanager.net/api_v1/productDetail.php?dev-t=EDCRFV&objectId=3347

البوذیة: روحانیة زائفة لثقافة مادّیة:

هذه الشهادة العلمیة ضدّ الإلحــاد ذات صلة وثیقة بالتساؤل حول لماذا انتشرت البوذیة فى العالم الغربی. لـقد رأى مهندسو الإلحاد والثقافة المادیة أنّ نظریتهم تنهار، ولمنع التیار المتنامی المتجه نحو الأدیان السّماویة عملوا على مواجهته بالترویج لمعتقدات الکفر مثل البوذیة، وبعبارات أخرى فإنّ البوذیة - ودیانات الشّرق الأقصى المشابهة لها - هی تکریس للمادّیة.

ولکنّ لماذا تحتاج الثقافة الغربیة لمثل هذا التعزیز؟ قام الکتاب الأنجلیز مثل مایکل بایقنت وریتشارد لیخ وهنری لنکولن بدراسة تطوّر و"انحطاط" الأفکار فی العالم الغربی خلال الألفی سنة الماضیة. وقد أوضحوا أنّ العالم الغربی قد سقط فی القرن العشرین فی "أزمة معنى"، أی أنّ طریقة الحیاة التى فرضتها الفلسفة المادیة فی المجتمعات الغربیة قد جرّدت حیاة الناس من معناها بأن جرّدتهم من الإیمان بوجود الله وحرمتهم عبادته. وقد عبّر هؤلاء الکتاب الثلاثة بقولهم:

" لقد انقطعت الصلة بین الحیاة وبین أی معنى، وأضحت مجرد وجود بطریق المصادفة لا یسیر نحو أی هدف محدد".

یضاف إلى أزمة المعنى تلک أنّ انهیار النظریات المادیة على المستوى العلمی قد فتح الطریق نحو عودة جدیدة للأدیان السّماویة، وخاصة الإسلام. ولهذا السّبب زاد عدد أتباع المعتقدات التوحیدیة؛ فقد زاد عدد من یؤمنون بالله ویمارسون شعائر دینهم؛ وأخذت المفاهیم والقیم الدّینیة تحتل مکانتها المهمة فی الحیاة الاجتماعیة.

إنّ البوذیة ومعتقدات الکفر الأخرى تتطلع بحماس لعرقلة هذا التیار من خلال رسم طرق زائفة للخلاص لهؤلاء الذین أربکتهم أزمة المعنى التى جلبتها الثقافة المادیة. فالتّاویة والهندوسیة وما شابهها مثل طائفة "هیر کریشنا" و"ویکا" واتجاهات العصر الجدید التی جلبت کلها تعالیم إلحادیة مختلفة، ودیانات الأطباق الطائرة التی تشغل نفسها بما یسمّى رسالات مقدّسة یُعتقد أنّها جاءت من الفضاء، کلّها تعالیم فاسدة اعتنقها هؤلاء الذین لا یریدون قطع الصّلة بالإلحاد والمبادىء المادّیة. ویضاف إلى ذلک أنّ العدید ممن أصبحوا بوذیین تأثروا بدرجة کبیرة بأشیاء لا یرغبون فیها وتقلید أعمى لشیء لا یفهمونه. وببساطة فهم یفعلون ذلک حتى یجلبوا الاهتمام ویبدون فی الحقیقة کمثقفین ومستنیرین.

ولنفهم لماذا تخلو هذه المذاهب من أساس تستند إلیه، نحتاج إلى غربلتها وتقیمها من خلال مقیاس المنطق. لقد رأینا سابقا مبدأ الکرما (العاقبة الأخلاقیة)، وهو أساس العدید من دیانات الشرق الأقصى، وأظهرنا عدم وجود أساس منطقی وجیه له (لمزید من المعلومات راجع کتاب هارون یحیى: "الإسـلام والعاقبة الأخلاقیة (الکرما)".

فهـذه الدیانات لا تعتقد فی وجود إله ولا فی موعد جامع لحساب إلهی للبشر. کـیف لهم إذا أن یؤمنوا بأنّ کل شخص سوف یجازى بما یفعله، ویکون ذلک فی الحیاة الأخرویة؟ من یقرّر ذلک ؟ إنّ الذین یقدسون أشیاء تقع "خارج الأرض " یعتقدون أیضا فی أشیاء لا معنى لها. کیف یمکن لشخص أن یؤسّس لفلسفة حیاة تنبنی على أشیـاء سابحة فی الفضاء، مشکوک فی حقیقتها؟ وحتى لو وُجدت کائنات من الفضاء الخارجی، یتعیّن بالضّرورة، أن تکون قد خُلقت. ثم ماهو الضّمان بأنهم سوف یرشدون البشریة للطریق الصّواب ؟

إنّ الذین تتملکهم مثل تلک الأفکار الوهمیّة علیهم أن یستمعوا لآیات القرآن الکریم ولقوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاکُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ) ( الواقعة: 57). وعلیهم أن ینهجوا نهجه الذی رسمه لهم: ( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِی مُسْتَقِیماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِکُمْ عَن سَبِیلِهِ ذَلِکُمْ وَصَّاکُم بِهِ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام: 153).



بازدید : مرتبه
 
آمار وبلاگ
تعداد بازدیدکنندگان: 24722