الإسلام العربی

دعوة إلی الحقیقة

الإسلام العربی

دعوة إلی الحقیقة

حفریات الکویلاکانث أسکتت ما علیها من مضاربات ومزایدات

حفریات الکویلاکانث أسکتت ما علیها من مضاربات ومزایدات

الکویلاکانث Coelacanth سمکة طولها حوالی 150 سم ، لها بنیة ضخمة وحراشف تشبه الدرع تغطی جسمها کله . وهی تنتمی لطبقة الأسماک العظمیة (Osteichthyes )  ، وتُصادف حفریاتها ـ أول ما تُصادف ـ فی الطبقات التی تعود إلى العصر الدیفونی (فیما بین 408 ـ 360 ملیون سنة) .
وقبل عام 1938م جرى تقدیم حفریات الکویلاکانث باعتبارها حلاً لمشکلة کبیرة بالنسبة للتطوریین . حیث لم یکن هناک أی أثر للنماذج الحفریة البینیة التی کان من المتعین أن یوجد ملایین بل ملیارات منها فی السجلات الحفریة . وکان التطوریون فی حاجة إلى دلیل یوثِّق خروج الأحیاء المزعوم من البحر إلى البر . ولهذا السبب أخذوا حفریة الکویلاکانث التی رأوا أنها تناسب إلى حد ما هذا السیناریو ، وبدأوا فی ممارسة الدعایة علیها . وعلّقوا على زعانفها بأنها “ أرجل على وشک السیر” . أما الکیس الدهنی الذی وجدوه متحفراً فی جسمها فقد علَّقوا علیه بأنه “ رئة بدائیة “ . وفی الوقت الذی کانوا یعانون فیه من أزمة عدم توفر الأدلة ، کانت الکویلاکانث بمثابة طوق نجاة لهم. وقد ترتب على الادعاءات الزائفة تماماً والتی طُرحت حول هذا الکائن الحی ، أن بات التطوریون وکأنهم قد حصلوا أخیراً على “ إحدى “ الحلقات المفقودة التی ینبغی وجدوها بالملیارات . وقد أشار الدکتور جاکس میلوت Jacques Millot   التطوری الفرنسی ـ الذی کان قد أجرى دراسات لأعوام حول الکویلاکانث ـ إلى أنهم لجأوا إلیها وکأنها منقذ لهم ، حیث قال:

“ إن إحدى أکبر مشکلات التطور کانت تتمثل فی إیجاد التحول التشریحی فیما بین الأسماک وذرّیاتها الموجودة على البر ... وعلى مدى فترة زمنیة طویلة عانى التطوریون أزمة بسبب هذه الفجوة الهائلة الموجودة بین الأسماک والبرمائیات . بید أن هذه الفجوة قد تم تجاوزها بالدراسات التی أُجریت على الأسماک القدیمة ، وهنا تدخلت الکویلاکانث .20


یظهر ج. ل. ب. سمیث J . L . B . Smith   یتخذ وضعاً خاص للتصویر مع سمکة الکویلاکانث الثانیة التی صیدت حیة عام 1952 فی جزر القُمر .

غیر أن هوس التطوریین هذا لم یدم طویلا ، حیث کان اصطیاد الصیادین لنموذج حی من الکویلاکانث عام 1938 بمثابة تحطم الآمال بالنسبة للتطوریین. وقد عبَّر جیمس لیونارد بیررلی سمیث James Leonard Brierley   ـ الأستاذ المساعد بقسم الکیمیاء بجامعة رودس Rhodes   والرئیس الشرفی فی الوقت ذاته لمختلف متاحف الأسماک الموجودة على السواحل الجنوبیة لإنجلترا ـ عن دهشته إزاء هذه الکویلاکانث ـ التی تم صیدها ـ بقوله:

“... حینما رأیت هذا المنظر لأول وهلة صدمنی وکأنه انفجار أبیض ساطع ، وظللت ساکناً کعصا من حجر . نعم أنها کانت کویلاکانث حقیقیة بکل حراشفها وعظامها وزعانفها ما فی ذلک شک على الإطلاق. “21

یبدو فی الصورة ـ التی فی أسفل ـ ج. ل. ب. سمیث وهو یعمل على رأس الکویلاکانث التی تم صیدها حیة .  أما فی الصورة التی تبدو فی الجانب ، فتظهر الرسائل التی أُرسلت إلى ج. ل. ب. سمیث من متحف لندن الشرقی حول الموضوع ، والإخطار الذی أرسله ج. ل. ب. سمیث إلى صیادی الکویلاکانث .

ولقد کان العثور على هذه الحفریة البینیة الخیالیة (الکویلاکانث) ـ التی اعتُقد أنها کانت على صلة قریبة بأسلاف الإنسان المزعومین ـ حدثاً جللاً بالنسبة للأوساط الداروینیة . حیث تلاشى فی طرفة عین أکبر دلیل لنظریة التطور على التحول البینی الخیالی . وتبیّن أن أکبر نموذج یمثّل الخروج الأسطوری من البحر إلى البر إنما کان کائنا حیاً یعیش فی بحار وقتنا الحالی ولا یبدی أی سمة من سمات النموذج البینی على الإطلاق ، ویتسم بأقصى درجات التعقید . وکانت نظریة التطور لداروین قد تلقت ضربة قاصمة فی مواجهة هذا النموذج الحی . وفی أواسط شهر مارس من عام 1939 م التی قُدم فیها الکائن الحی للصحافة ، نُشرت فی الصحف والمجلات ـ من نیویورک حتى سیریلانکا وعلى مدار أسابیع ـ مقالات ذات صلة بالموضوع . وطُبعت صور بالحجم الطبیعی لهذا الکائن الحی فی صحیفة لندن الیوستراتید نیوز London Illustrated News   وإلى جوار الصورة کان هناک مقال للدکتور   إ. آ. وایت E . I . white   . أما عنوان هذا المقال فقد کان “ أحد أهم أحداث التاریخ الطبیعی فی القرن العشرین” وکان المقال یصف هذا الاکتشاف بأنه “مثیر للدهشة” وکان یُدعى أن هذا الحدث مدهش بقدر اکتشاف نموذج حی لدیناصور العصر المیزوزوی دیبلودکس Diplodocus الذی یبلغ طوله 5,2 متر .22

وقد أجرى ج. ل. ب. سمیث J . L . B . Smith فی السنوات اللاحقة الکثیر والکثیر من الدراسات على الکویلاکانث وکأنه کان قد أوقف حیاته على هذه الدراسات حتى رائداً لأنشطة بحثیة فی مختلف أنحاء العالم تتعلق  بالکشف عن الأحوال الحیة لهذه السمکة فی أعماق البحر والتمکن من دراسة الأجهزة الداخلیة لها بشکل تفصیلی . (أول کویلاکانث تم صیدها قُدمت بعد فترة طویلة من صیدها إلى عنایة ج. ل. ب. سمیث ؛ ومن ثم لم یکن ممکناً الحفاظ على صفة وهیئة أعضائها الداخلیة ) .

وفی الأعوام اللاحقة تم العثور على الکویلاکانث الثانیة ، والتی نفقت بعد فترة قصیرة من جراء إخراجها من المیاه العمیقة إلى المیاه الضحلة والفاترة. ولکن تأّتى دراسة أعضائها الداخلیة . وقد واجه الدکتور جاکس میلوت Jacques Millot وزملاؤه حقائق تختلف کثیرا عما کانوا یتوقعونه . حیث لم تکن الأعضاء الداخلیة لهذا الکائن الحی تبدی أی سمات بدائیة على الإطلاق مثلما کانوا یعتقدون ، ولم یکن یحمل خصائص التحول البینی التی تمثل جد بدائی خیالی . ولم یکن له رئة بدائیة مثلما ادعى التطوریون . والجزء الذی اعتقد الباحثون التطوریون أنه رئة بدائیة ، إنما کان عبارة عن کیس دهنی وُجد فی جسم السمکة .23

إضافة إلى أن هذا الکائن الذی قُدم للناس على أنه نموذج زاحف یتأهب للخروج من الماء ، إنما کان سمکة قاع تعیش فی أعمق میاه المحیطات ، ولا تصعد إلى ما فوق عمق 180 متر .24 بدلیل أن إخراجها إلى المیاه الضحلة قد تسبب فی نفوقها . ولهذا السبب ووفقاً لمیلوت  Millot   فإن هذا الکائن الحی الهام الذی یتعین أن یمثل “ الحلقة المفقودة “ التی کانوا یبحثون عنها کان یفتقد السمات البدائیة للکائن الحی الذی یدّعون أنه مر بالتطور.25 وبعبارة أخرى إن السمکة لم تکن نموذجاً بینیاً ، وکانت قد عاشت بالسمات المعقدة ذاتها فی البحار العمیقة على مدى 400 ملیون سنة .

یبدو فی الحفریة الموجودة فی الصورة أن حراشف الکویلاکانث هی الأخرى قد تحفرت على نحو شدید التفصیل . أما فی الجانب فتبدو حراشف کویلاکانث حیة. ولم یحدث أی تغیر فی بنیة هذه السمکة رغم مئات الملایین من السنین التی مرت وانقضت علیها .

حفریة للکویلاکانث عمرها 240 ملیون سنة عُثر علیها فی مدغشقر

ویدلی عالم حفریات تطوری یُدعى بیتر فوری Peter Forey   بدلوه فی هذا الموضوع بمقال نُشر فی مجلة Nature (الطبیعة) حیث یقول:

“ کان یحدونی الأمل فی الحصول على معلومات مباشرة حول التحول من أسماک إلى برمائیات مع العثور على الکویلاکانث حیث إن الرأی القائل بأن هذه الأسماک قریبة من جد التتربود tetrapod   کان یلقى قبولا منذ فترة طویلة . غیر أن الدراسات التی أجریت على الأعضاء التشریحیة للسمکة ووظائفها أظهرت أن فرضیة هذه العلاقة مجرد أمنیة لا حقیقة ، وأن تقدیم الکویلاکانث باعتبارها “ الرابطة المفقودة “ لیس له من سند . “26

ولقد بیّنت کل أسماک الکویلاکانث ـ التی شوهدت لمرات عدیدة فیما بعد ، وتمت متابعتها فی البیئة التی تعیش فیها ـ هذه الحقیقة الهامة مرارا وتکراراً وبشکل أکثر تفصیلا أیضا . والادعاء بأن زعانف هذا الکائن کانت تمر بتغیر بقصد السیر ، إنما کان مجرد خدعة .
وقد صرّح هانز فریک Hans Fricke   ـ عالم الحیوان الألمانی التطوری من معهد ماکس بلانک Max Planck ـ قائلا:

“ أعترف بأننی حزین ، لکننا لم نر الکویلاکانث فی أی وقط قط وهی تمشی على زعانفها “27

ولقد کان العثور على الحفریات الحیة وکثرتها مشکلة قائمة بذاتها بالنسبة للداروینیین . ولعل ظهور الکویلاکانث أمامهم باعتبارها “ حفریة حیة “ کان أکبر مشکلة قد واجهتهم ، حیث کانوا قد قدموها للناس من قبل على أنها نموذج للتحول البینی واتخذوها أداة للدعایة مثلما أرادوا وعرضوها على الناس باعتبارها “ أعظم دلیل “ .
وکان هذا الوضع یقضی على جمیع النظریات التی صاغها التطوریون حول الحفریات الحیة ، وکان الداروینیون قد زعموا أنه ـ کیما یستطیع کائن حی البقاء على حاله دون تغیر ـ ینبغی أن یکون “ معمماً “ . وبتعبیر آخر حتى لا یتغیر الکائن الحی یتعین أن یستطیع العیش فی کل البیئات والتغذی بکافة الأشکال . ولکن مع نموذج الکویلاکانث کان أمامهم کائن حی “ مخصصاً “ ومعقداً إلى أقصى درجة . وکانت هذه السمکة تعیش فی المیاه شدیدة العمق ، وکانت ذات بیئة ونسق تغذیة خاص . ومن هنا فإن ادعاءات التطوریین هذه هی الأخرى کانت باطلة . 
وکیف أظهر هذا الکائن الحی ـ وفقاً لمزاعم التطور ـ مقاومة ضد التغیرات التی حدثت على سطح الأرض خلال فترات حیاته ، وکیف استطاع البقاء دون تغیر ؟ وفقاً للتطور الأسطوری کان یتعین أن تکون القارات ـ التی تعرضت للتزیُّح قبل حوالی 250 ملیون سنة ـ قد أثّرت على الکویلاکانث التی تحافظ على وجودها منذ 400 ملیون سنة . إلا أن الکائنات الحیة ـ لسبب ما ورغم الظروف البیئیة المتقلبة منذ 400 ملیون سنة ـ لم تکن قد أظهرت أی تغیر على الإطلاق . وقد شرحت مجلة Focus (البؤرة) هذا الوضع حیث قالت:
“ وفقا للمعطیات العلمیة کانت جمیع قارات الدنیا متصلة قبل 250 ملیون سنة من عصرنا الراهن . وقد أُطلق على هذه الکتلة الیابسة العظیمة “ بنجیا “ Pangea   . وکان یحیط بها محیط واحد وضخم . وقبل حوالی 125 ملیون سنة انشق المحیط الهندی نتیجة لتعرض القارات للتزیُّح . وقد ظهرت الکهوف البرکانیة الموجودة فی المحیط الهندی ـ التی تمثل جزءا هاماً من البیئات الطبیعیة للکویلاکانث ـ بتأثیر تزیح القارات هذا . وعلى ضوء کل هذه المعطیات تبدو أمامنا حقیقة أخرى هامة ، هی أن هذه الحیوانات التی وُجدت منذ نحو 400 ملیون سنة لم تتغیر رغم کثیر من التغیرات التی حدثت فی البیئات الطبیعیة . ویؤکد هذا الوضع ـ دون أن یفسح المجال لأی مبرر کاذب ـ أن هذا الکائن ظل على حاله على مدى ملایین السنین دون تغیر ، بمعنى أنه لم یمر بتطور . وفی سیاق متصل بالموضوع أورد الأستاذ کیث س. تومسون Keith S . Thosom   الکلمات الآتیة فی کتابه الذی یحمل اسم (قصة الکویلاکانث) The Story of the Coelacanth :

“ ... وعلى سبیل المثال کانت أقدم سمکة کویلاکانث معروفة تحوز العضو الروسترالی Rostral نفسه ،(یطلق علماء الحیوان على الکیس المملوء بمادة شبه هلامیة والموجود داخل جمجمتها والأوعیة الستة المرتبطة به اسم العضو الروسترالی) ، وکانت تحوز مفصلا خاصاً لجمجمتها وحبلاً ظهریاً (notokord ) وعددا قلیلاً من الأسنان . وهذا کله ـ مثلما یبیّن أن المجموعة تکاد لم تمر بأی تغیر على الإطلاق منذ العصر الدیفونی (منذ 400 ملیون سنة) ـ فإنه یکشف عن وجود فجوة هائلة بین السجلات الحفریة .حیث أننا لا نملک سلسلة حفریات الأسلاف التی تبین ظهور السمات المشترکة التی تبدو لدى جمیع أسماک الکویلاکانث . “28

معلومات جدیدة تتعلق بالکویلاکانث
لا تزال المعلومات الأخیرة المتعلقة بالبنیة المعقدة للکویلاکانث تشکل مشکلة بالنسبة للتطوریین . یقول الأستاذ مایکل بروتون Michael Bruton ـ مدیر معهد ج. ل. ب. سمیث J . L . B . Smith لعلم الأسماک الشهیر عالمیا والموجود بجنوب إفریقیا ـ فیما یتعلق بالسمات المعقدة المکتشفة للکویلاکانث:



إن الداروینیین الذین أصیبوا بصدمة عنیفة أمام صید الکویلاکانث حیة ، صاروا وجها لوجه مرة أخرى أمام حقیقة منافاة نظریتهم للعلم . وقُد أُشیر إلى الأماکن التی صیدت فیها هذه السمکة حیة .     

“ إن الولادة إحدى السمات المعقدة لهذه الکائنات . فأسماک الکویلاکانث تلد ، حیث یتشقق بیضها الذی فی حجم ثمرة البرتقال بینما هو لا یزال داخل السمکة. علاوة على ذلک فإن هناک اکتشافات حول تغذی الصغار من جسم الأم بفضل عضو شبیه بالمشیمة . والمشیمة عضو معقد ؛ فهو إلى جانب توفیره الأکسجین والغذاء من الأم إلى الصغیر ، یقوم بإخراج المواد الزائدة عن حاجة التنفس والهضم من جسم الصغیر . وتبین حفریات الأجنَّة  embriyo fosilleri ـ التی ترجع إلى العصر الکربونی(الفترة ما قبل 360 ـ 290 ملیون سنة) ـ أن نظاماً معقدا کهذا وُجد قبل ظهور الثدییات بکثیر.29

ومن جهة أخرى فقد ثبُت استشعار الکویلاکانث للمجالات الکهروماغنطیسیة المحیطة بها ، الأمر الذی کشف عن وجود عضو إحساس معقد لدى هذا الکائن الحی . وبالنظر إلى نظام الأعصاب الذی یربط العضو الروسترالی للسمکة بالمخ، یسلِّم العلماء بأن هذا العضو یقوم بمهمة استشعار المجالات الکهروماغنطیسیة . وحینما یتم تناول وجود هذا العضو الفعال ـ الموجود فی أقدم حفریات الکویلاکانث والبنیات المعقدة الأخرى ـ بالدراسة تظهر مشکلة لیس للتطوریین قِبَل بحلها ، وهی المشکلة التی أُشیر إلیها فی مجلة Focus (البؤرة) کالتالی:

“ طبقا للحفریات ، فإن تاریخ ظهور الأسماک یوافق ما قبل 470 ملیون سنة من وقتنا الحالی . أما ظهور الکویلاکانث فبعد 60 ملیون سنة من هذا التاریخ . وظهور هذا المخلوق ـ الذی کان من المتوقع أن یکون ذا سمات بدائیة للغایة ـ فی بنیة بالغة التعقید لهو أمر یثیر الدهشة . “30

ولقد جاء ظهور الکویلاکانث ببنتیها المعقدة ـ فی فترة ینتظر فیها التطوریون العثور على الکائنات الحیة البدائیة الخیالیة ـ  بالتأکید مثیرا للدهشة بالنسبة لهم ، وهم الذین کانوا یتطلعون إلى وجود وتیرة تطور تدریجی على مراحل . أما بالنسبة لشخص یُعْمِل عقله ویستطیع أن یدرک أن الله قد خلق الکائنات الحیة کلها فجأة ببنیاتها المعقدة والفعالة کیفما شاء وحینما أراد ، فلیس هناک ما یبعث على الدهشة . ویُعد کل واحد من النماذج التی خلقها الله تعالى خالیة من العیوب وسیلة من أجل تقدیر قدرة الله تعالى ومعرفة قَدْرِه .

أما الکویلاکانث التی تم صیدها عام 1966م وجُمِّدت فقد قدمت معلومات جدیدة حول ترکیبة دم هذا الکائن الحی . فجمیع الأسماک العظمیة (Osteichthyes ) ـ باستثناء الکویلاکانث ـ تسد احتیاجاتها من الماء  بشرب ماء البحر وتتخلص من الملح الزائد عن حاجة أجسامها . أما النظام الموجود فی جسم الکویلاکانث فإنه یحاکی النظام الموجود لدى سمک القرش الذی یندرج ضمن طبقة الأسماک الغضروفیة (Chondrichthyes ) .إذ یحوّل ملح النشادر ـ الناتج عن تفتت البروتینات ـ إلى بول . ویحبس هذا البول ـ الذی یکون فی مستویات ممیتة بالنسبة للإنسان ـ فی الدم . و یُضبط معدل هذه المواد الموجودة فی الدم تبعا لمعدل ملوحة الماء المحیط بها . وتکون المحصلة أن الدم یصبح فی وضع متعادل isotonic   مع ماء البحر (بمعنى أنه قد حدث أن تعادل الضغط التناضحی (الأسموزی) للماء الموجود فی الداخل والخارج ،أی أنه وصل إلى نفس الترکیز) ؛ ومن ثم لا یُفقد الماء إلى الخارج .وقد تبین کذلک أن الکویلاکانث تحوز الإنزیمات اللازمة لإنتاج البول . مما یعنی أن هذه السمکة تحوز سمات دم أصیلة لیست موجودة لدى أی نوع آخر فی الطبقة التی تندرج فیها ، بید أن هذه السمات قد ظهرت لدى أسماک القرش التی تدخل ضمن طبقة مختلفة تماماً.31

ویشیر کل ما سبق إلى حقیقة وهی أن الکویلاکانث ـ التی ادُعی أنها تشکل أکبر حلقة فی  سلسلة تطور الکائنات الحیة المزعوم ـ قد کذَّبت جمیع مزاعم التطوریین بنماذجها الکثیرة التی تعیش فی وقتنا الراهن .  کما یُظْهِر هذا النموذج إلى أی مدى یستطیع التطوریون أن یمارسوا دعایة شاملة “دون الاستناد إلى أی دلیل مادی ملموس “ ، وکیف یستطیعون نشر هذه الخدعة والترویج لها . وعدم تخلیهم عن ادعاءاتهم ـ حتى بعد العثور على نموذج حی للکویلاکانث ـ واستمرارهم فی البحث فیها عن “ الزعنفة التی تمر بتغیر من أجل المشی “ لَهُوَ أمر ملفت للنظر . وهم لم یستطیعوا العثور على أی دلیل قط حول وجود نموذج تحول بینی للکویلاکانث التی اتضح أنها کائن حی مخلوق بسبب ما لها من سمات معقدة بالغة الکثرة . وسعوا للکشف عن أدلة تدعم کفرهم بوجود الخالق ، لکن الله تعالى محق أدلتهم الزائفة ، فباتوا وجهاً لوجه مع حقیقة تنهض دلیلا على خلق رائع بالغ الإتقان.




20. Jacques Millot , “ The Coelacanth “ , Scientific American , Vol. 193, December1955, p.34 – http://www.creationscience.com/onlinebook/ReferencesandNotes65.html
21. Samantha Weinberg , A Fish Caught in Time ; The Search For the Coelacanth , Perennial Publishing , 2000, p .20 .
22. Samantha Weinberg, A Fish Caught in Time; The Search For the Coelacanth , Perennial Publishing, 2000, p. 28-29-30 l
23. www.ksu.edu/fishecology/relict.htm
24. Bilim ve Teknik , Kas?m 1998, Say? 372, s .21; http ://www .cnn .com /TECH /Science /9809/23/living .fossil /index .html
25.
Samantha Weinberg, A Fish Caught in Time; The Search For the Coelacanth , Perennial Publishing, 2000, p. 102 .
26. P. L. Forey, Nature, Vol 336, 1988, p.7.
27. Hans Fricke , “ Coelacanth: The Fish That Time Forgot “ , National Geographic , Vol.173, No. 6, June 1988, p. 838- http://www.creationscience.com/onlinebook/ReferencesandNotes65.html
28. Focus , April 2003
29. Focus, April 2003
30. Focus , April 2003
31. Focus , April 2003



السجلات الحفریة تثبت الخلق (الثبات فی السجلات الحفریة)

السجلات الحفریة تثبت الخلق

(الثبات فی السجلات الحفریة)

صادف علماء الحفریات ـ الذین أجروا دراسات على طبقات القشرة الأرضیة ـ حفریات على قدر کبیر من الأهمیة . وکانت هذه الأحیاء ـ التی عُثر علیها فی الطبقات الحفریة البالغ عمرها ملایین السنین ـ هی نفسها عناکب عصرنا الراهن وذبابه وضفادعه وسلاحفه وأسماکه . وقد عاشت هذه الکائنات ـ التی یتعین وفقاً للتطور أن تبدی تغیراً خلال الحقبة الزمنیة التی تقدر بملایین السنین ـ بأعقد أحوالها فی أقدم عصور التاریخ  ، ووصلت إلى عصرنا الراهن دون أن یبدو علیها أی تغیر على الإطلاق . أی أنها لم تتطور ، وأن ثمة ثبات فی السجلات الحفریة ما کان ینبغی أن یکون موجوداً طبقاً لوجهة نظر التطوریین.
ولقد کان داروین یعی إلى أی مدى کانت هذه الأحیاء ـ التی ظلت على حالها طیلة ملایین السنین ـ تمثل مشکلة کبیرة بالنسبة لنظریته . وکثیراً ما کان یفصح عن هذا . وقد أطلق على هذه الحفریات الخاصة اسم: الحفریات الحیة . وشدد بیتر دوجلاس وارد Peter Douglas ward   ـ عالم الحفریات نصیر التطور ـ على هذه المشکلة ، حیث قال:

“ بید أن العقیدة الجوهریة والأصلیة لداروین ، هی کون معظم الأحیاء قد تغیر على مر الزمن . لکن تُرى هل بالمستوى نفسه تغیرت هذه الأحیاء ؟ أم أن معدل التغیر کان متبایناً ؟ کان داروین على ثقة من أن معدل التغیر مختلف ؛ فما سبق أن رآه کان یمکن أن یکشف عن کائنات حیة بالغة الکثرة علاوة على أن بعضها کان له کثیر من أشباه الحفریات التی تخرج من الطبقات القدیمة نسبیاً . “

وقد واجه داروین هذه المشکلة مرات عدیدة ، ورغم أنه کان یبدو مطمئناً فی التفسیر الذی أدلى به فی کتابه “ أصل الأنواع” ، فإن توجهه  بموضوع  “الحفریات الحیة” بصفة مستمرة إلى عنایة القارئ ، کان یشی بأنه لم یکن مطمئناً تماماً فی هذه النقطة . ففی سیاق متصل بالموضوع کتب  ـ على سبیل المثال ـ  یقول:

“ فی بعض الأحوال تبدو الأشکال التی تعدّلت بدرجة منخفضة وکأنها قد حُفظت حتى عصرنا الراهن . وکانت قد عاشت فی مناطق محدودة أو خاصة ، تعرضت فیها لمنافسة أقل خطورة ، وخفضت سرعة إمکانیة التغیر بشکل یناسب أعدادها المحدودة “

ورغم هذا التوضیح ،ظل وجود “ الحفریات الحیة” ـ التی سماها داروین بنفسه ـ یؤرقه ، وأصبح بمثابة ورقة رابحة یمکن أن یستغلها ضده الکثیرون من منتقدیه . 12


لا تختلف حفریة الضفدع هذه ـ التی یبلغ عمرها 49 ملیون سنة والتی عُثر علیها فی ألمانی ـ عن نماذجها الحیة فی عصرنا الراهن .

کان داروین قد وصف الأحیاء المذکورة بأنها “ أحیاء تعدلت بدرجة منخفضة “ ولهذا السبب کان یسعى للتقلیل من شأن المشکلة بالعمل على إیجاد مبرر زائف لبقائها حیة . غیر أن هذه الحفریات لم تکن تختلف عن أحیاء وقتنا الحالی ، حیث کانت ذات خصائص بالغة التعقید والتطور . ولم یکن ممکناً تفسیر بقاؤها حیة بعدة مبررات کاذبة اضطر داروین نفسه إلى الاعتقاد بها . أما بالنسبة لمؤیدی داروین فلم تبق المشکلة محدودة قدر ما کانت علیه أیام أستاذهم ، فعدد الحفریات الحیة التی خرجت من شطر عظیم من طبقات الأرض کان یتجاوز الملایین . وکانت عملیات البحث عن الحفریات البینیة تسفر عن اکتشافات حفریة حیة . وکانت الکائنات الحیة تخرج من الطبقات البالغ عمرها ملایین السنین بأحوالها التی علیها فی وقتنا الحالی . ویُعد هذا الوضع من أهم الأدلة على السقوط الکبیر لنظریة التطور . ورغم أن داروین کان یساوره القلق بشکل کبیر من وجود الحفریات الحیة على عهده ، إلا أنه لم یکن یفطن ـ إلى حد ما ـ إلى شمولیتها .إذ کان غافلا عما ستکشف عنه السنوات اللاحقة من المزید من نماذج الحفریات الحیة . ولکم کانت خیبة أمل عظیمة له ولنظریته أن کشفت السنوات اللاحقة له عن نماذج الحفریات الحیة باستمرار بدلاً من نماذج التحول البینی التی کان ینتظرها .


تبین هذه الحفریة أن أسماک القرش ـ التی عاشت قبل 95 ملیون سنة ـ لا تختلف عن مثیلاتها الموجودة فی وقتنا الحاضر . وما من شیء یسع الداروینیین فعله فی مواجهة هذه الحفریة إلا أن یقروا بأن نظریتهم لیست إلا أسطورة ولیدة الخیال .

والآن یتجاوز عدد الحفریات الحیة ـ التی استُخرجت من الطبقات الحفریة ـ الملایین . وفی حین یقتصر الاهتمام على بعض هذه الحفریات الاهتمام ، فإن الشطر الأعظم منها یُنقل إلى مخازن المتاحف المتنوعة . غیر أن حقیقة الحفریات الحیة لیست بالحقیقة التی یمکن طمسها بالتعتیم علیها ؛ حیث تکشف کل طبقة حفریة ـ یجری البحث والتنقیب فیها ـ باستمرارعن المزید من نماذج الحفریات الحیة. وقد یظن أولئک الذین یتابعون التطورات من الصحف أن ما عُثر علیه لا یعدو کونه عدة نماذج من الحفریات الحیة محددة العدد نادرة الوجود إلى حد ما . غیر أن الحقیقة لیست کذلک ، فهذه الحفریات فی کل حدب وصوب ، وهی تمثل الکائنات الحیة لعصرنا الراهن فیما قبل ملایین السنین .

ویعجز أتباع داروین بدورهم عن تفسیر هذا الثبات الموجود فی السجلات الحفریة الذی سبق أن عجز داروین عن تفسیره . وفی البدایة ادعى التطوریون أن الأحیاء مثل الصرصور ـ الذی عُثر على نماذج له تبلغ من العمر 350 ملیون سنة ـ کانت أحیاء “ تستطیع العیش فی کل الأجواء والتغذی بشتى الأشکال ، ومن ثم لم تتغیر “ . ولم یتطرق هؤلاء مطلقاً ـ لسبب أو لآخر ـ إلى سؤال هو: کیف ظهر صرصور عاش قبل 350 ملیون سنة فی عصر بدائی مزعوم ـ وفقا للتطوریین ـ بکل خصائصه المعقدة ؟


لم یکشف ما أُجری من عملیات التنقیب عن الحفریات فی شتى أنحاء العالم منذ 150 سنة عن حفریة واحدة تدعم التطور ، وکل ما جُمع من حفریات یؤید حقیقة الخلق.  

کما أنهم غضّوا الطرف متعمدین عن ضرورة أن یکشف هذا الکائن الحی ـ مهما کان متوافقاً مع البیئة ـ عن تطور ، وذلک وفقا لزعم نظریتهم . ثم توالى صدور مزاعم أخرى حول کائنات حیة أخرى . حیث زعموا أن “ضب تواترا” Tuatara ـ الذی یرجع إلى ما قبل 200 ملیون سنة ـ قد مر بتطور تدریجی، الأمر الذی یتعارض مع حقیقة کونه لم یتغیر . ولکن هذا الزعم ـ لسبب أو لآخر ـ لا یسری على الصراصیر سریعة التکاثر والتی یتوافر منها نماذج یبلغ عمرها   5,3 ملیار سنة ، ولا ینسحب کذلک على “البکتریا القدیمة” arkeabakteriler   التی تتکاثر فی دقائق . وهذا هو السبب وراء قصر التطوریین اهتمامهم على قسم من الحفریات الحیة دون قسم آخر . وتلفیق مبرر ـ من أجل بعض الحفریات الحیة ـ حتى ولو لم یکن یتفق مع العلم والمنطق ویتسم بالتناقض ، فإنه بالنسبة لهم أمر عادی ومألوف إلى أقصى درجة . ولو أن جمیع الحفریات الحیة وُضعت فی حیز الاهتمام ، فلن یکون من الممکن أو المقنع على السواء إیجاد مبرر لکل واحدة منها .

وقد جاء فی تعلیق لمجلة  New Scientist “ أن المراحل التطوریة لا تستطیع أن تفسر إلحاح جمیع الحفریات الحیة “ ، وتابعت المجلة هذه التعلیق مشیرة إلى احتیاج التطوریین المستمر لإیجاد مبررات زائفة ، وکیف ظلت هذه المبررات بلا فائدة ، حیث قالت:

“ کل هذا یقدم مشهدا معقدا غیر واضح إلى حد ما للباحثین عن سر هذه الحیاة الاستثنائیة . کن معمماً أو مخصصاً . عش سریعاً أو بطیئاً . ابق بسیطاً أو لا تبق . کن فی المکان والزمان الصحیحین . ولو أخفقتَ فی سائر الأشیاء ، حینئذ جرِّب أن تکون “ نوعا ممتازاً “ مبارکاً بفسیولوجیا تستطیع أن تقاوم کل      شیء ....13

وبتعبیر آخر أن الدارونیین على استعداد للإتیان بمختلف التفسیرات لوجود الحفریات الحیة إلا حقیقة الخلق . ولو ظلت کل تفسیراتهم عقیمة ، فإنه من الجائز ـ مثلما أوضحت مجلة  New Science   ـ أن یعتبروا هذا الکائن الحی “ نوعا ممتازاً “ . والشیء الوحید الذی لا ینبغی فعله ـ من وجهة نظر الداروینیین ـ هو التسلیم بأن هذا الکائن “ قد خُلق “ . وقد دُحضت هذه الادعاءات المتناقضة ـ التی التجأ إلیها داروین وعادة ما یخجل داروینیو عصرنا الراهن أیضاً من أن یصرّحوا بها ـ تماماً فی مواجهة العدد الهائل للحفریات التی توثِّق الثبات فی حد ذاتها . والحفریات الحیة من الکثرة بحیث لا یمکن إنتاج سیناریوهات بشأنها ، وهی تظْهِر فی جلاء أن التطور لم یحدث . ووفقاً للتطور فإن ثمة کائن حی أشبه بالذئب ، کان قد نزل البحر ذات یوم وتحول فی غضون خمسین ملیون سنة إلى حیوان ثدیی بحری عملاق مثل “حوت البال”.14 وما دام التطور یستطیع ـ رغم کل هذه اللامنطقیة ـ أن یحول حیوانا بریا شبیها بالذئب فی خلال فترة قصیرة بهذا القدر ، لِمَ لم یُلحِق أی تغیر على الإطلاق على مدى 160 ملیون سنة بحیوان سمندل ؟ لم یجب أی تطوری مطلقاً على هذا السؤال بشکل علمی .

علاوة على أن هذا الوضع لا یسری على السمندل فحسب ، وإنما یسری کذلک على ما یفوق الحصر من الأنواع ـ التی سوف نطالع نماذجها فی الأقسام المتقدمة من الکتاب ـ والتی لها نماذج تعیش فی وقتنا الراهن . وقد أشار نیلز إلدردج Niles Eldredge نصیر التطور ـ من علماء حفریات المتحف الأمریکی للتاریخ الطبیعی ـ إلى تأکد الثبات الموجود فی السجلات الحفریة بنماذج غایة فی الکثرة ، حیث قال:

“ لقد بات الثبات وقد وُثِّق مرات کثیرة باعتباره سیاقاً حفریاً مهیمناً فی التاریخ التطوری للأنواع .15


یبلغ عمر حفریة الصرصور هذه 125 ملیون سنة ، وهی توجه ضربة ساحقة إلى نظریة التطور التی تزعم أن الکائنات الحیة تتطور بالمرور بتغیرات مستمرة . ولم تتغیر هذه الأحیاء مطلقاً خلال ملایین السنین التی مرت علیها .

ولقد أثبتت النماذج التی عُثر علیها فی وجه الأرض أن شطراً عظیما من الکائنات الحیة عاشت قبل ملایین السنین بذات الخصائص التشریحیة ، بحیث أن 84% من فصائل الحشرات ـ التی وُجدت قبل 100 ملیون سنة ـ تعیش الیوم.16

وقد شرحت مارجریت هیلدر Margaret Helde ـ عالمة النبات ـ هذا التنوع المدهش الموجود فی الحفریات الحیة ، فی إشارة کذلک إلى آراء  “نیلز إلدردج” ، إذ قالت:

“ إن تعریف کائن حی باعتباره حفریة حیة ، إنما هو مرهون بدرجة التشابه ـ التی یتحراها الشخص الذی یقوم بدراسته ـ بین حاله الحی وحاله الحفری . ولو سیجرى تعریف من زاویة التصنیفات العامة للکائنات الحیة أی مثل زواحف بصفة عامة ، أو سرخسیات بصفة عامة ، أو حتى مجموعات محددة لأعشاب السرخس فإنه حینئذ ـ ووفقاً لوجهة نظر نیلز إلدردج “ وبحسب معیار کهذا ، یکاد یکون کل شیء حفریة حیة “17


یبلغ عمر حفریة العقرب هذه 110 ملیون سنة ، أما حفریة الجرادة فیبلغ عمرها 108 ـ 92 ملیون سنة ، وهما یقیمان الشاهد على أن هذه الأحیاء اختصت بالبنیة والخصائص نفسها على مدى عشرات الملایین من السنین ، وأنها لم تتغیر قط ، مما یعنی أنها لم تتطور .

ولیتسع التعریف بهذا القدر أو لا ، فإن التوصل إلى نتیجة عدم کون الحفریات الحیة قلیلة على الإطلاق إنما هو أمر مؤکد إلى حد بعید . وما من شک فی أن ظهور هذه الکائنات الحیة بأعداد وفیرة لیس أمراً مثیراً للدهشة بالنسبة لشخص فَطِن حصیف . ولو یتأتّى لشخص أن یتبیّن من النماذج الواضحة أمامه أن الله خلق الکائنات جمیعاً ، حینئذ یستطیع أن یعی الدلیل الذی تکشفه له السجلات الحفریة . إن الکائنات الحیة لم تتطور ، وقد ظهرت على مر التاریخ فجأة وبسمات بالغة التعقید والکمال . وهذا الوضع إنما یشیر إلى أن الکائنات الحیة مخلوقة کلها . ومن السهل جداً بالنسبة لله عز وجل أن یکون قد خلق وأوجد من قبل ملایین السنین کائناً حیا موجود الیوم بکل السمات الرائعة .أما بالنسبة لأولئک الذین یستطیعون أن یقدّروا هذا فإن وجود الحفریات الحیة تُعد کل واحدة منها فی حد ذاتها دلیلاً على الخلق فائق الإبداع لله تعالى . ولا یخرِج وجه الأرض أدلة التطور التی یدعیها داروین ، ویصدِّق على حقیقة الخلق . ونیلز إلدردج Niles Eldredge واحد فحسب من لأولئک التطوریین الذین اعترفوا بهذا ،إذ یقول:

“ إن الاستنتاجات البسیطة لا نفع منها ، ومنذ أن قال لنا داروین ـ عندما کنا نقوم بجمع حفریاتنا من سفوح الجبال ـ یتعین أن یکون الانتخاب الطبیعی قد ترک أشارة هکذا وبشکل تام ، فطنتُ فی الستینیات إلى أننی بذلت مجهودا فی غیر طائل من أجل توثیق نماذج تغیر تدریجی وثابت الوجهة کنا جمیعا نعتقد فی حتمیة وجودها هناک . وعلى عکس هذا الادعاء لداروین ، رأیتُ أن الأنواع الحیة تکاد لا تبدی أی تغیر على الإطلاق بعد أن تظهر دفعة واحدة فی السجلات الحفریة. کما کانت تناهض الصدفة بشکل یتسم بالإصرار والضراوة .18  ویشیر هذا کله إلى أن مزاعم التطوریین ـ مثل: “الأدلة الموجودة فی السجلات الحفریة” ، و” الوتیرة التطوریة “ ، و” التغیر التدریجی أو الطفری الموجود لدى الکائنات الحیة “

إن هی إلا محض مضاربات . وما من امرئ قط یطالع الحقائق الواردة بالسجلات الحفریة یمکن أن یصدق مضاربات داروین هذه والتی سوف تُفنّد بشکل أکثر تفصیلاً فی الأقسام المتقدمة من الکتاب . وقد عبر بییر بول جراس Pierre Paul Grasse   ـ عالم الحیوان الشهیر عالمیاً وأحد أنصار التطور ـ عن وهم التطور المذکور ، حیث قال:

“ إن ادعاءات جولیان هوکسلی Julian Huxley وغیره من علماء الأحیاء بأن “ التطور ماضٍ فی عمله “ ما هی إلا محض ملحوظة للحقائق الدیموغرافیة وتقلبات النمط الجینی genotype الإقلیمیة والتوزیعات الجغرافیة ؛ إذ ظلت الأنواع المذکورة فی الغالب على حالها على مدى مئات القرون . والتقلبات التی حدثت نتیجة لظروف بیئیة ، وتلک التی حدثت من قبل فی المکوِّن الصبغی Genome لا تعنی التطور . وتحت أیدینا أدلة ملموسة لحفریات حیة ظلت دون تغیر على مدى ملایین السنین .19

مثلما أن نظریة التطور عاجزة عن تفسیر أصل الکائنات الحیة ، هی أیضا لا حیلة لها أمام اختلاف الأنواع .

وإنها لضرورة ملحة فی البلاد التی ظهرت فیها نماذج الحفریات الحیة أن تعیرها حکوماتها الاهتمام ، وتعرِّف العالم بهذه الأدلة العلمیة الهامة . وإلا فإنه عن طریق الدعایة والخدیعة سوف یستمر المفهوم المعاکس تماما للحقائق التی یکشف عنها العلم ـ أی نظریة التطور ـ فی تلقى الدعم دون تفکیر . والحقیقة التی تبدیها السجلات الحفریة التی توثِّق تاریخ الحیاة على سطح الأرض هی أن الأحیاء لم تتطور ، وأنها ظهرت فجأة وبکافة سماتها المعقدة . مما یعنی أن السجلات الحفریة قد وثّقت حقیقة الخلق .

یظن الناس ـ ممن لیس لهم قریب صلة بالموضوعات العلمیة ـ أنه قد عُثر على نماذج لحفریات نادرة فیما أُجری من عملیات التنقیب عن الحفریات ، وذلک استنادا على ما ورد بالصحف من أخبار . وبتوجیه من الصحافة کذلک یعتقدون أن هذه الحفریات التی تم العثور علیها إنما هی الأدلة المزعومة على صدق نظریة التطور . غیر أن الحقیقة لیست کذلک ، حیث عُثر ـ حتى الیوم ـ على ملایین الحفریات فی إنجلترا ولبنان وروسیا وکندا ومدغشقر والصین والولایات المتحدة الأمریکیة والبرازیل وبیرو ، وباختصار فی أغلب بقاع العالم، ولا یزال یُعثر على مزید من الحفریات . وتحفظ هذه الحفریات فی المتاحف الموجودة بدول العالم المختلفة ، أو فی مجموعات خاصة بالعلماء والباحثین . وعلى الرغم من أن الداروینیین یظهرون هذه الاکتشافات للرأی العام محرفةً ، أو یجتهدون لحجب معظمها عن الناس ، إلا أنه بات من المستحیل علیهم أن یخفوا الحقائق . والحقیقة التی تکشف عنها الحفریات مؤداها أنه:
1ـ الکائنات الحیة لم تتشکل تدریجیا ، إذ ظهرت کل الأنواع الحیة فجأة .
2ـ الکائنات الحیة لم تتغیر قط طیلة فترة استمراریة سلالاتها . وبعبارة أخرى فإن أطروحة الداروینیین ـ القائلة بأن الکائنات الحیة نتجت وتطورت عن بعضها بعضاً مروراً بتغیرات طفیفة ـ أطروحة باطلة ، کما أن خلق الله للکائنات الحیة کلها من عدم إنما هو حقیقة علمیة . 

فی حین لا یستطیع الداروینیون الکشف ولو عن حفریة واحدة تثبت أن الکائنات الحیة قد تطورت ، فإن هناک ملایین الحفریات المعروضة فی مئات المتاحف ، والمخبأة فی کثیر من مخازن المتاحف والمحفوظة فی کثیر من أقسام الحفریات والمقتناة فی مجموعات العلماء والباحثین ، تصرِّح بأن الکائنات الحیة قد خُلقت. وأمام الوفرة العددیة لهذه الحفریات فإنه لیس بوسع التطوریین إلا التسلیم بأن الاکتشافات الحفریة لا تؤید التطور . وبالفعل بات کثیر منهم یقرون بأن السجلات الحفریة ثریة إلى أقصى درجة ، إلا أن هذا الثراء لا یدعم التطور ، بل على العکس من هذا تماماً یدحضه . من بین هذه الأسماء ت . نیفیل جورج T . Neville George   الأستاذ بجامعة جلاسجو Glasgow   الذی یقول:

“ لقد بات من المستحیل الإدلاء بتصریح من شأنه أن یقضی على الضعف “ التطوری” للسجلات الحفریة ؛ لأن ما بین أیدینا من سجلات حفریة على درجة فائقة من الثراء ، ویبدو من المستحیل العثور على أنواع جدیدة بالأنشطة الکشفیة الجدیدة . ورغم مختلف الأنشطة الکشفیة فإن السجلات الحفریة لا تزال تتشکل من الفجوات التی بین الأنواع . “ (T .Neville George , “ Fossils in Evolutionary Perspective “ , Science Progress , vol 48, January 1960, p .1-3)





12. Peter Douglas Ward, On Methuselah's Trail, W. H. Freedman and Company, 1992, p. 10
13. "The Creatures Time Forgot," New Scientist, 23 October 1999, p. 36
14. Balinalar?n Evrimi “ تطور حیتان البال  , National Geographic , November 2001 , p .156-159
15. Niles Eldredge, Reinventing Darwin, 1995, p. 77
16. http://www.icr.org/index.php?module=articles&action=view&ID=774
17. Eldredge and Steven M. Stanley. Eds., 1984, Living Fossils, New York Springer Verlag, 1984, p. 3
18. http ://www .create .ab .ca /articles /Ifossils .html
19. Philip E . Johnson , Darwin On Trial , Invervarsity Press , Illinois , 1993, p . 27; http ://jshualetter .org /evolution /paper /3_critiques _of _darwinism .htm

زعم الحفریة البینیة إنما هو خدعة

زعم الحفریة البینیة إنما هو خدعة

“ من الناس من یظن أن الحفریات تنهض دلیلا على آراء داروین حول تاریخ الحیاة . غیر أن هذه فکرة خاطئة بالطبع “ .4

(الدکتور دافید روب David Raup نصیر التطور ورئیس قسم الجیولوجیا بمتحف التاریخ الطبیعی بشیکاغو) .

ومن بین أهم الأشیاء التی یلقاها الزوار الذین یرتادوا أیما متحف طبیعی ، هو دعایة مکثفة لنظریة التطور . ولا شیء أمامهم یزید عن رسومات تخیلیة للماضی و عظام مصطنعة خاصة بالأسلاف الخیالیین . وتُقدم قطعة متحفرة واحدة لکائنات حیة لا تشکل أی دلیل على التطور ،على أنها أهم “ دلیل للشکل البینی “ للتحول الأسطوری من سمکة إلى برمائی . ، ویُعرض بزهو عظیم ضلع هو فی الأصل یؤکد حقیقة الخلق ،غیر أن التطوریین حولوه على العکس من ذلک وقدموه على أنه “ أدل دلیل على التطور” . وشطر عظیم من الزائرین الذین یتفحصون هذا ، یطالعون الشروح التفصیلیة التی تعرِّف بالحفریات المزعومة وأسماءها اللاتینیة ، ویقتنعون أنهم وجها لوجه أمام حقیقة تطوریة . غیر أن الهدف هنا فی حقیقة الأمر ، هو إظهار شیء لیس له وجود وکأنه موجوداً . ویقومون بالدعایة لشیء غیر موجود . ویحسب التطوریون أنهم قد حققوا هدفهم المشار إلیه ، حیث إن رواد المتحف ربما لا یفطنون إلى أنه “ لیس هناک ولو حفریة بینیة “ تدعم التطور ، وأن ثمة حفریات لکائنات حیةـ لم تتغیر منذ ملایین السنین على عکس زعم نظریة التطورـ مخبأة فی المخازن التی أسفل صالة العرض تماماً . وما یبذله التطوریون من سعی فی الأساس إنما هو سعی عقیم یذهب أدراج الریاح . فلم یتأت العثور على حفریة تحول بینی واحدة تؤکد حدوث التطور على وجه الأرض ، وما من أثر لوجود هذه الکائنات الحیة الخیالیة والغریبة والنصف متطورة التی تقتضی الضرورة أن تکون قد عاشت على مدار ملایین السنین . ووتیرة التطور إنما هی مجرد اعتقاد ، وطیف خیال یرغب التطوریون بشدة فی أن یتحقق . بید أن السجلات الحفریة لم تحقق هذا الخیال . إذ تم استخراج أعداد هائلة من الحفریات من سطح الأرض کله إلا قلیلا . والحفریات التی لم یتأت العثور علیها على عهد داروین ، لا وجود لها إلى الآن . ویستحیل کذلک العثور علیها . لأن التطور لم یحدث ، ویسعى التطوریون إلى إنعاش التطور الخیالی بتلفیق النظریات الزائفة وتشکیل نماذج التحول البینی الخرافی بأنفسهم من الجص والبکالیت ، ونسج الحکایات حول الحیاة المزعومة للنماذج البینیة . غیر أنه ما من ثمرة یمکن أن تتحقق من وراء هذا السعی . فالظروف تختلف عن عهد داروین والحقائق العلمیة باتت واضحة للعیان ، ویکشف العلم باستمرار عن الأدلة التی تثبت حقیقة الخلق . وما من داروینی یمکنه الزعم بعدم کفایة السجلات الحفریة . وقد کشفت المعطیات العلمیة والسجلات الحفریة عن حقائق قاطعة . وعدم وجود الحفریات البینیة إنما هو واضح بدرجة لم یعد بمقدور التطوریین إخفاءها .

لیس هناک حفریة تحول بینی

الأحیاء البینیة التی تبدو فی الصورة لم تعش فی أی وقت على الإطلاق.

وقد أشار د. س. وودروف D . S . Woodroff ـ من جامعة کالیفورنیا ـ إلى خیبة أمل التطوریین الکبرى هذه ، حیث قال:

“ غیر أن الأنواع التی تحفرت ظلت دون تغیر فی شطر عظم من تاریخها ، ولا توجد السجلات الحفریة بنموذج تحول بینی واحد “5

ویعثر الداروینیون فوق الطبقات التی أجروا علیها أعمال البحث عن الحفریات البینیة ، على حفریات لکائنات حیة لم تتعرض للتغیر منذ ملایین السنین ، ولم تمر بأی شکل من أشکال التطور . والأدلة التی تثبت الخلق یتجاوز عددها الملایین فی کل یوم یمضی ، إلا أنه لا تظهر الحفریات البینیة التی ینتظرها التطوریون بهوس عظیم ، وهکذا ولهذا السبب حاولوا إظهار الأدلة التی تثبت الخلق وکأنها حفریات بینیة . ویسعون لإظهار الکائنات الحیة بالغة التطور والتعقید والتی تعود إلى ملایین السنین مضت ، بأسالیبهم الدعائیة المتنوعة وکأنها دلیل على نظریتهم . وبکتابة التعلیقات على الحفریات یتعنتون فی وصف أجنحة طائر هی فی بنیة بالغة التطور والتعقید بأنها أجنحة آخذة فی التطور . أما زعانف إحدى الأسماک فیقدمونها على أنها أرجل تتأهب للخروج إلى البر . وبهذه الأسالیب سعوا لتقدیم الکویلاکانث Coelacanth والأرکیوبترکس Archaeopteryx على أنهما دلیلان على التطور ،الأول بالنسبة للانتقال من الماء إلى البر ، أما الثانی فهو على الانتقال من البر إلى الجو .

أیما حفریة یعثر علیها الداروینیون یسعون لإظهارها وکأنها تؤید نظریتهم مستغلین نقص معلومات الناس حول هذه الموضوعات العلمیة . ویحرّفون الحقائق من أجل هذا .  ومن بین الأسالیب التی طالما عمدوا إلیها هو الکشف عن کائنات منقرضة وتقدیمها وکأنها دلیل على سیناریو التطور . وکثیر من الحفریات ـ التی تُعرض فی المتاحف ـ تُقدم للناس یصاحبها تعلیقات أنصار التطور . فی حین أن هذه التعلیقات لا سهم لها من القیمة العلمیة .





الکویلاکانث Coelacanth   التی واصلت وجودها دون تغیر منذ 400 ملیون سنة .

هذا فی حین أنه حتى الآثار المتحفرة لهذه الأحیاء إنما تبین أنها کائنات تحوز سمات بالغة التعقید ، ولا تقدم أی صفة للنموذج البینی قط . والکویلاکانث هی من الأحیاء التی کانت عرضة لمضاربات التطوریین مزایداتهم ، وقد خیبت أمل التطوریین بکل ما تحمله الکلمة من معان باکتشاف نموذج حی لها فی المیاه العمیقة عام 1938 أی بعد نحو 400 ملیون سنة من نموذجها المتحفر . وقد أصابت الدراسات العلمیة التطوریین بخیبة أمل مشابهة بسبب الأرکیوبترکس الذی تبین أنه طائر تام بکامل صفاته . وکان الأرکیوبترکس قد قُدم لسنوات عدیدة کأهم دلیل على الانتقال الخیالی من البر إلى الجو . وباکتشاف التفاصیل المتعلقة بعضلات الطیران الخالیة من العیوب التی له ، وریشه المناسب للطیران وبنیة جناحه الرائعة ، لاذ التطوریون بالصمت ولم ینبسوا ببنت شفة فی هذا الموضوع .


أما النماذج الأخرى التی تبین بالعیان مأزق التطوریین المتعلق بالتحول البینی ، فهما رجلا بیلت دون ونبراسکا اللذان قٌدما باعتبارهما دلیلا على التطور المزعوم للإنسان . إذ دفعهم ضعف الحیلة الذی عانوا منه إزاء عدم وجود النماذج البینیة إلى أنهم رکَّبوا فک قرد أورانجوتان فی جمجمة إنسان حدیث الوفاة ، وأطلقوا علیه اسم رجل بیلت دون وعرضوا هذا الزیف على مدى 40 عاماً ، وقد استُبعدت هذه الحفریة التی کانت تُعرض فی المتحف البریطانی إثر افتضاح أمر تلک الخدعة .

أما رجل نبراسکا فهو عبارة عن صور ورسومات تخیلیة کثیرة تم استقاؤها من سِّن خنزیر . وقد زعم التطوریون الذین درسوا هذه السن أنها حفریة تحول بینی تحمل سمات مشترکة للبشر والقردة . إلا أنه سرعان ما تبین أن هذه السن إنما هی لخنزیر . وهکذا فإن الحفریات التی یلقاها الزوار فی أی متحف تطوری باعتبارها دلیلا على التطور ، إنما هی نتاج منطق زائف . ویعترف جورج جایلورد سیمبسون ـ عالم الحفریات من المتحف الأمریکی للتاریخ الطبیعی ـ بمشکلة التحول البینی التی یواجهها التطوریین ، إذ یقول:

“ إنها صحیحة بالنسبة لاثنین وثلاثین فصیلة من الثدییات ... ویختص أقدم عضو معروف لکل فصیلة وأکثرها بدائیة ـ فی الأصل ـ بکل السمات الأساسیة . ولم یظهر أی طور انتقالی مستمر من فصیلة إلى أخرى . وفی معظم الأحوال یکون التباین حاد والفجوة البینیة عظیمة حتى أن أصل الفصائل یکون تأویلی ومشکوک فیه ... هذا ولم یقتصر عدم وجود النماذج البینیة بأی شکل من الأشکال على الثدییات وحدها . ویکاد یکون هذا واقع تطوری بالقدر الذی یثبته علماء الحفریات حتى الآن .ویسری هذا الوضع على أغلب طبقات الحیوانات بما فیها الفقاریة واللافقاریة على السواء . وهو صحیح بالشکل ذاته سواء بالنسبة  للطبقات أو أعظم الأجناس الحیوانیة والرتب النباتیة المتشابهة.6


إن رجل بیلت دون الذی قُدِّم للعالم على مدى 43 سنة وکأنه دلیل بالغ الأهمیة على تطور الإنسان ، إنما کان نتاج خدعة . إذ تبین ـ إبّان الأبحاث التی أُجریت على جمجمته عام 1953 ـ أنه حفریة مزیفة أُنتجت بالتلفیق بین عظام إنسان وقرد أورانجوتان .
فی الیمین صورة تبین عملیة الحفر التی أُجریت فی بیلت دون محل میلاد فضیحة بیلت دون .    
    

ورغم کل هذه اللامنطقیة ، لا یزال التطوریون یزعمون “ أن الکائنات الحیة قد تطورت “ . وفی هذا الزعم هناک ملایین من الکائنات “ التی یستحیل تکونها “ ، لکن یزعم أنها تشکلت إبان وتیرة تطوریة خیالیة لا یستطیعون شرح کیفیة حدوثها . وقد ثبت استحالة تکون البروتین من تلقاء نفسه فی إطار مناخ غیر واعٍ . ولکن وفقا للتطور ـ فقد حدثت معجزة وتکون البروتین نتیجة للمصادفات .  ومن غیر الممکن أن یکون تشکل الخلیة مع سائر أعضائها محض صدفة . ولکن وفقا للتطور حدثت معجزة وتشکلت . ولا یمکن أن یتشکل لب الخلیة والجینات والحمض

النووی D . N . A والانزیمات وما إلى ذلک من البنیات المعقدة الکثیرة حتى فی ظروف معملیة واعیة فی وقتنا الحاضر . غیر أنه ـ ووفقا للتطور ـ حدثت معجزة وتشکل هذا کله نتیجة للصدف العمیاء . والآن یبحث التطوریون أیضا عن آثار هذه التکوینات وتغیراتها فی السجلات الحفریة . غیر أنه ـ ووفقا للتطورین ـ أیضا حدثت معجزة وانمحت هذه الآثار من السجلات الحفریة . ومنطق نظریة التطور هو أن التطور یتشکل من قائمة من ملایین المستحیلات . ووفقا للتطور فإنها موجودة کنتاج للصدف العمیاء اللاواعیة . ولسبب غیر معلوم لا تستنکف الداروینیة ـ التی تنکر وجود الله وترفض الأحداث والتطورات الخارقة للطبیعة ـ من الزعم بوجود مستحیلات ولیدة لمعجزة . وهکذا فإن نظریة التطور ـ التی تُبذل المساعی لإظهارها مصطبغة بالصبغة العلمیة ـ تتشکل فی الأساس من عدد لا نهائی من المعجزات ، واعتقاد یؤلِّه المصادفات .

البروتینات جزیئات معقدة تمثِّل أحجار بناء الخلایا الحیة ، وتضطلع بمهام شدیدة التنوع داخلها على السواء ، واحتمال ظهور جزیء بروتین فی المتوسط هو 1 فی 950 على 10. (هذا العدد من الناحیة التطبیقیة یعنی أن الاحتمال صفر ) . وهکذا سدد علماء الریاضیات إحدى أقسى الضربات إلى الداروینیة .

لقد عجزت نظریة التطور إقامة الدلیل على إمکانیة أن یتشکل جزیء بروتین من تلقاء نفسه ، وما استطاعوا أن یکشفوا عن نموذج للتحول البینی یبین أن الکائنات الحیة قد مرت بعملیة تطور . وکذّب النظریة اثنان من أعظم أسانیدها ، وهی فی مأزق کبیر . ولا یمکن القضاء على هذه الحقیقة بالتعتیم على عدم وجود الحفریات البینیة فی سجلات الحفریات وإخفاء نماذج الحفریات الحیة التی تتزاید أعدادها على مر الأیام . بل على العکس من ذلک فإنه أمام حالة افتقاد البرهان التی یعانی منها الداروینیون ، تتنوع أسالیب غشهم وتحایلهم ، ویعی الناس جیدا أنه تُبذل مساع حثیثة للإبقاء على نظریة التطور ، ولیس هذا لأسباب علمیة بقدر ما هو لأسباب أیدیولوجیة . والسبب الذی یحدو بالتطوریین إلى السعی لإظهار حفریات التحول البینی ـ غیر الموجودة ـ وکأنها موجودة ، وإخفاء الأدلة المتعلقة بالخلق داخل مخازن المتاحف سبب واضح ؛ وهو أنهم یفطنون إلى أدلة وجود الله عز وجل المهیمن على سطح الأرض بکثیر من الشواهد القاطعة . ولذا فهم فی سعی لإخفاء هذه الحقیقة ، غیر أن الله یبدی للعیان تجلیات وجوده بما لا یحصى کثرة من البراهین ، ویبطل کید الداروینیین ویحبط أعمالهم ، مصداقا لقوله عز من قائل:

أَوَلَمْ یَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِی الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ یَحْکُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُکْمِهِ وَهُوَ سَرِیعُ الْحِسَابِ وَقَدْ مَکَرَ الَّذِینَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَکْرُ جَمِیعاً یَعْلَمُ مَا تَکْسِبُ کُلُّ نَفْسٍ وَسَیَعْلَمُ الْکُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [ سورة الرعد ، الآیات 41 ـ 42]

لا وجود لواحدة من حفریات التحول البینی التی تختص ببنیات غیر طبیعیة والتی یزعم التطوریون أنها موجودة على وجه الأرض

تزعم نظریة التطور أن الکائنات الحیة تتحول إلى کائنات أخرى وذلک بالخضوع لعملیة تطور مزعوم تحدث بـأثیر من الطفرات (التغیرات الفجائیة). إلا أن العلم الحدیث قد أثبت ـ وفی وضوح تام ـ أن هذا الزعم خدعة کبرى . فلا وجود فی عصرنا الراهن لنموذج تحول بینی یشیر إلى أن الأحیاء قد تنوعت فیما بینها مرورا بتغیرات طفیفة .


الأشکال البینیة التی تحمل سمات نوعیین حیین مختلفین توجد فقط “خیالات” الداروینیین . أما فی الواقع والحقیقة فما وُجدت قط کائنات حیة من هذا القبیل .

وطبقا لادعاء تدعیه نظریة التطور ، فإن کل الأنواع الحیة التی تعیش على وجه الأرض وتلک التی سبق أن عاشت فی الماضی ، إنما قد ظهرت متمخضة عن بعضها بعضا . أما تحول الأنواع فیما بینها فإنه ـ طبقا لهذه النظریة ـ قد حدث تدریجیا على مراحل ولیس دفعة واحدة . وعلیه ووفقا لهذا الادعاء فإنه من الضروری أن تکون قد عاشت مجموعة من الکائنات الحیة التی تعکس فترة التحول الحادث بین نوعیین حیین وتحمل بعض سماتهما . کما یتعین مثلا ـ ووفقا للادعاء التطوری ـ أن تکون قد عاشت بالتأکید على مدار ملایین السنین بعض الکائنات الحیة نصفها ذو خیاشیم ونصفها الآخر ذو رئة ، ونصفها ذو زعانف والآخر ذو أرجل إلى أن خرجت الأسماک إلى البر وتحولت إلى زواحف . ویطلق التطوریون على هذه الکائنات الخیالیة ـ التی یعتقدون أنها عاشت فی الماضی ـ اسم " نموذج التحول البینی " .
ولو صحت نظریة التطور ، لاستلزم الأمر أن تکون هذه الأنواع قد عاشت فی الماضی ، ولبلغت أعدادها وأنواعها ملایین بل ملیارات . ولکان من المتعین أن تُصادف بقایا هذه الکائنات العجیبة فی سجلات الحفریات . إلا أنه حتى الیوم لم تُصادف حفریة لنموذج تحول بینی فی تلک السجلات . کما أن تشارلز داروین ـ مؤسس النظریة الداروینیة ـ کان قد کتب فی الفصل الذی یحمل عنوان " صعوبات فی النظریة Difficulties on Theory “ من کتابه “ أصل الأنواع “ یقول:

“ وإن تکن الأنواع نتجت عن أنواع أخرى فی واقع الأمر مرورا بتطورات تدریجیة ،لِمَ لا نصادف نماذج التحول البینی التی تفوق الحصر ؟! لِمَ لیست کل الطبیعة فی حالة تخبط ، وکل الأمور فی نصابها تماماً ؟! یجب أن یکون هناک أعداد هائلة من نماذج التحول البینی ، لکن لِمَ لا نعثر علیها مدفونة فی طبقات الأرض التی من الکثرة بحیث لا یمکن عدها ؟! لماذا کل البنیات الجیولوجیة والطبقات لیست مملوءة بالروابط هکذا . لماذا لا یکشف علم الجیولوجیا (علم طبقات الأرض) عن وتیرة مرتبة على درجات بشکل جید ؟! لعل هذه هی أکبر الاعتراضات التی یمکن أن توُجه إلى نظریتی . 7 
وقد أجرى علماء الحفریات من أنصار التطور ـ استنادا على کلمات داروین هذه ـ عملیات بحث وتنقیب عن الحفریات فی شتى أنحاء العالم منذ أواسط القرن التاسع عشر المیلادی ، وبحثوا عن نماذج التحول البینی تلک . ورغم کافة ما بذلوه من مساع لم یعثروا علیها على الإطلاق . ولقد أظهرت الاکتشافات ـ التی تحققت أثناء عملیات الحفر والتنقیب ـ أن الکائنات الحیة ظهرت على وجه الأرض فجأة وبشکل کامل وخال من العیوب ، وذلک على عکس فرضیات نظریة التطور . ویُقِر دیرک و. أجر Derek A . Ager   عالم الحفریات الإنجلیزی الشهیر بهذه الحقیقة التی تجافی تبنیه لنظریة التطور إذ یقول:

 

“ مشکلتنا أننا حینما نبحث بشکل تفصیلی فی سجلات الحفریات ـ لیکن على على مستوى الأنواع والطبقات ـ فإننا نواجه الحقیقة ذاتها دائماً .وهی أننا نرى مجموعات تشکلت على وجه الأرض فجأة ولیس بالتطور التدریجی . “ 8

أما مارک زارنیکی Mark Czarnecki   وهو عالم حفریات تطوری آخر ، فیدلی بالتعلیق التالی:

“ إن العقبة الکئود التی تواجه إثبات النظریة ( نظریة التطور) هی دائماً السجلات الحفریة ، حیث لم تکشف هذه السجلات عن آثار الأشکال البینیة التی یفترضها داروین . فالأنواع تظهر فجأة ، وتختفی کذلک فجأة . وقد عزز هذا الوضع غیر المتوقع  الدلیل الذی ینافح عن الرأی القائل بأن الأنواع قد خُلقت . “9

لو صحت مزاعم الداروینیین کان من المتعین أن نصادف فی السجلات الحفریة آثار لکائنات شدیدة الغرابة ـ مثلما یبدو فی الصورة ـ لها کثیر من محاجر العین وأنوف فی مواضع مختلفة وفک فی الأمام وآخر فی الخلف على السواء ، وجمجمة نامیة بشکل غیر طبیعی . إلا أن ما أُجری من دراسات منذ 150 سنة لم یسفر عن العثور على أی حفریة قط من هذا القبیل . وعلى عکس هذا تماماً فإن جمیع ما عُثر علیه من حفریات یبین أن الکائنات الحیة کانت کاملة وخالیة من العیوب منذ اللحظة التی وُجدت فیها ، وأنها کذلک لم تتغیر مطلقاً طیلة فترة وجودها .

ویقول فرانسیس هیتشینج Francis Hitching عالم الأحیاء الشهیر فی کتابه الذی یحمل اسم “ رقبة الزرافة: الموضع الذی أخطأ فیه داروین The Neck of the Giraffe : Where Darwin went Wrong “:

“ لو نعثر على الحفریات ، ولو تصح نظریة داروین لتعین فی هذه الحالة أن تکشف الصخور عن بقایا مجموعة معینة من المخلوقات تطورت بشکل تدریجی  فی اتجاه مجموعة أخرى أکثر تعقیداً ، ومن الضروری أن تکون هذه “التطورات الطفیفة “ المنتقلة من جیل إلى جیل قد حُفظت بشکل جید إلى أقصى درجة . ولکن الحال لیس کذلک ، والعکس تماما هو الصحیح . وبقدر ما کان داروین متذمرا حینما قال ـ أنه من المتعین أن توجد أعداد هائلة من النماذج البینیة ، لکن لِمَ لا نستطیع أن نعثر علیها فی طبقات سطح الأرض الکثیرة ـ فإنه یعتقد أن هذا النقص الاسثتثنائی الذی یسم السجلات الحفریة ، إنما هو مرهون بإجراء المزید من عملیات الحفر . ولکن رغم ما أُجری وما سیجرى من تلک العملیات ، فقد تبین أن کل ما یُعثر علیه من أنواع ـ بلا استثناء ـ  شدید شبه بالحیوانات التی تعیش فی الوقت الراهن . “10

ومثلما أشار داروین والأشخاص الآخرون الذین نقلوا عنه بکلماتهم الواردة آنفا لم یُعثر ولو على حفریة واحدة للتحول البینی ، الأمر الذی یبدی للعیان وبشکل واضح وصریح بطلان نظریة التطور . لأنه وقبل کل شیء لو أن الکائنات الحیة کانت قد تحولت إلى کائنات أخرى ، لاقتضت الضرورة وجود أعداد هائلة من الکائنات الحیة البینیة فی طور التحول ، ولوجب أن تکون شتى بقاع الأرض حافلة بحفریات الکائنات الحیة التی فی مرحلة التطور (الحفریات البینیة) . غیر أن جمیع الحفریات التی یبلغ عددها حوالی 100 ملیون حفریة تأتى الحصول علیها إلى الآن ، إنما تتعلق بکائنات حیة تامة غیر ناقصة نعرفها فی وقتنا الحالی .

وتبین السجلات الحفریة أن الأنواع الحیة کانت قد ظهرت دفعة واحدة وببنیات مختلفة تماما ، وأنها ظلت على حالها دون تغیر على مدى کثیر من العصور الجیولوجیة . ویسلِّم ستیفن جای جولد Stephen Jay Gould ـ نصیر التطور ومن علماء الحفریات بجامعة هارورد ـ بهذه الحقیقة حیث یقول:
“ یکشف تاریخ معظم الأنواع المتحفرة عن خاصیتین مختلفتین تتعارضان مع فکرة التطور التدریجی على مراحل ، وهما:

1ـ الثبات . فمعظم الأنواع الحیة لم تبد أی تغیر فی أی جهة قط طیلة فترة وجودها على وجه الأرض . والبنیة التی کانت تختص بها لحظة ظهورها لأول مرة هی ذات البنیة التی کانت لها فی لحظة اختفائها من السجلات . وعادة ما یکون التغیر الشکل محدودا ، ولیس له وجه معین .

2ـ الظهور فجأة . فأیّما نوع فی أی منطقة محلیة لا یظهر عن أسلافه تدریجیا بالخضوع لتغیرات على مراحل ، وإنما یظهر دفعة واحدة ومتشکل تماماً .11

بید أنه لو کان التطور قد حدث ، کان من المتعین أن یحفل سطح الأرض بملایین الحفریات المتعلقة بالکائنات الحیة البینیة . علاوة على ذلک لکان من المتحتم أن یکون لهذه الکائنات الحیة ـ التی بلغت أعدادها الملایین ـ کیانات غیر طبیعیة إلى أقصى درجة من جراء تأثیرات الطفرات (التغیرات الفجائیة) علیها .

لو أن الکائنات الحیة وصلت إلى ما لها الیوم من بنیات وهیئات بالمرور بعشرات الآلاف من التغیرات الطفیفة ، لکان یجب أن یکون هناک الکثیر من الحفریات التی تظهِر هذا التطور الخیالی . ولتعین أن تظهر حفریات لکائنات غیر عادیة لها مخان وعمودان فقریان وأربع عیون وثلاث أنوف وسبعة أصابع وثلاث أرجل ! إلا أن کل ما عُثر علیه إلى الیوم من حفریات یثبت أن البشر وُجدوا دوماً بشراً .

ووفقاً لادعاء التطوریین فقد تشکلت کافة الکائنات الحیة وکل الأعضاء الخاصة بها نتیجة لطفرات حدثت محض صدفة . وفی هذه الحالة تقتضی الضرورة أن یکون کل عضو ـ ذی بنیة غیر طبیعیة ـ قد تعرض لطفرات عدیدة فی مرحلة تطور وظائفه . ویتعین کذلک أن یکون قد تحول فی کل مرة من حالة غیر طبیعیة إلى حالة أخرى شاذة . ویتحتم أن یکون لهذه الکائنات الحیة ـ قبل أن تتشکل کائنات العصر الراهن ذات المنظر الأکثر روعة وجمالا ـ أعضاء غیر طبیعیة وأشکال قبیحة . فعلى سبیل المثال قبل أن یظهر وجه الإنسان المتناسق إلى أقصى درجة والذی یتألف من أذنین وأنف وفم ، کان من المتعین أن تتشکل وجوه غیر طبیعیة مختلة التناسق لها آذان وعیون کثیرة ، یکون أنفها بین عینیها أو فی ذقنها ، وتکون لها کذلک عیون خلف رأسها أو فوق وجناتها . ویکون أنفها فی مکان أذنها ویمتد حتى عنقها ، وغیرها من الوجوه غیر الطبیعیة التی یمکننا أن نضرب لها ملایین بل ملیارات من الأمثلة بهذا الشکل أو بأشکال أخرى مختلفة . حتى إنه قبل بلوغ هذه المرحلة، کان من المتعین أن تکون قد عاشت مخلوقات غریبة أذنها تحت قدمها وعینها فوق ظهرها وفمها موجود فی بطنها ، ویکون لها مخین أو ثلاثة منفردین فی جمجمتها بدلا من مخ واحد ، ولا تستطیع أن تقف على ساق حیت لم تکن الدواغص قد تشکلت بعد . وبدلا من أن یکون لها ذراع واحد یخرج من جنبی الجسم ، یکون لها ثلاثة أو خمسة أذرع مختلفة الأطوال . وتکون عظام ساقها لیست بالشکل الذی یمکِّن من الوقوف فی توازن ، دون میل إلى الأمام أو الخلف أو إلى الجنب . وبحسب هذا الزعم یتحتم أن ینطوی جوف الأرض على ملایین من الحفریات لهذه البنیات التی تحوز مفردات جسدیة شاذة مختلفة فی کل مرحلة . ولکن لیست هناک واحدة من هذه الحفریات . وکان یجب أن یکون هناک بشر لهم رأسان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة . ولهم أذرع کثیرة قد یبلغ طول الواحد منها مترین أو ثلاثة ، ویکون هناک کثیر من الحفریات البشریة التی لها سمات شاذة بهذا الشکل . وبالمثل کان یتعین أن تکون هناک نماذج شاذة غیر طبیعیة أیضا بالنسبة لکل الأنواع الحیوانیة والنباتیة . وأن تتحول أیضا جمیع الحفریات البینیة للأحیاء البحریة إلى کائنات غیر طبیعیة إلى أقصى درجة . غیر أنه لیس هناک ولو واحد من کل هذا .  وملایین النماذج التی عثر علیها کلها تخص أحیاء عادیة . وتُعد هذه الحقیقة تعبیراً واضحاً عن انهیار نظریة التطور . ورغم أن کل ما یُعثر علیه من حفریات منذ 140 سنة یدحض نظریة التطور ، فإن الدفاع عن هذه النظریة على أمل “ العثور على النموذج البینی ذات یوم “ لیس بالشیء الذی یلیق بامرئ عاقل فطن أن یفعله . ولقد مر على النظریة 140 عاما ولم یتبق حقل حفریات فی العالم لم یُحتفر . وأُنفقت ملیارات الدولارات ، لکن لم یُعثر على الحفریات المتعلقة بالأحیاء البینیة التی افترضها داروین ، ولن یتأّت العثور علیها ، لأنه لیست هناک حفریة بینیة واحدة یمکن للداروینیة أن تستخدمها کدلیل. وعلى العکس من ذلک یوجد ملایین من “الحفریات الحیة” التی تثبت “ حقیقة الخلق “

العین من بدیع صنع ربنا صاحب العقل المعجز ولیست الصدف العمیاء

وبالإضافة إلى حمایة العیون بشکل فعال ، فقد ثُبِّتت فی موضع یضمن لها الرؤیة بشکل أکثر راحة ومثالیة . تُرى لو أن العیون کانت موجودة فی مکان آخر تحت الأنف مثلا ماذا کان یحدث؟ بالطبع کان قد تشکل وضع محفوف بالمخاطر من ناحیة الأمان ، ونتج کذلک منظر قبیح إلى حد ما من الناحیة الجمالیة . وصارت زاویة الرؤیة أکثر ضیقا ومحدودیة عما هی علیه الآن.ووجود العیون فی أنسب موضع وفی شکل متناسق إنما هو یوافق إلى أقصى درجة مقاییس الجمال من کافة الوجوه . فمتوسط المسافة بین العینین فی طول عین واحدة .وحینما یختل هذا المعدل ویکون ما بین العینین أکثر اتساعا أو ضیقاً تتغیر کافة تعبیرات الوجه . وتُعد العین ـ بکافة السمات التی تختص بها ـ دلیلاً یثبت أن الله خلق الإنسان . یقول الله تعالى فی محکم کتابه:

اللَّهُ الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَکُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَکُمْ وَرَزَقَکُم مِّنَ الطَّیِّبَاتِ ذَلِکُمُ اللَّهُ رَبُّکُمْ فَتَبَارَکَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِینَ [سورة غافر، الآیة 64]

أما التطوریون فیزعمون أن العین اختصت بهذه البنیة المبرأة من العیوب تدریجیا على مراحل بتأثیر الطفرات التصادفیة . ووفقاً لهذا الزعم فقد حدثت تباعا صدف عمیاء وعشوائیة على مدى ملایین السنین ، ومن ثم اتخذت العین ملایین من الأوضاع الشاذة إلى أن وصلت إلى هذه البنیة الخالیة من العیوب . ومن المتعین أن تکون قد ظهرت تلک العیون التی توجد فی قدم الإنسان أو ظهره ولیس فی جمجمته ، وتلک التی بأعداد کثیرة على شکل خلیة تحاکی خلایا النحل بدلا من عینین مثبتتین بشکل متناسق ، وتلک العیون التی تصاب بالجفاف والعمى فی فترة قصیرة بسبب عدم وجود غدد دمعیة لها ، وتلک التی لا تنفِذ الضوء بسبب عدم شفافیة قرنیتها ، وتلک التی تضیع مهمة الإبصار حتى عند أدنى تغیر ضوئی بسبب عدم تکوّن حدقة لها بعد . هذا إنما هو جانب ضئیل من الأمور الشاذة التی یمکن أن تحدث . وحینما نضع صوب أعیننا کافة أجهزة العین ووظائفها ، یمکننا أن نتصور ملایین من الأشکال غیر الطبیعیة للعین.

بید أنه حتى الیوم لم یُعثر على ولو على کائن حی واحد یحوز العیون ذات البنیة الشاذة والمختلة التی أشرنا إلیها . فکافة الکائنات الحیة التی وردت بالسجلات الحفریة تختص بأنظمة عیون رائعة وفعالة . وتقیم هذه الحقیقة الحجة على أن زعم نظریة التطور ـ القائل بأن الکائنات الحیة ظهرت بتغیرات طفیفة ـ إن هو إلا خدعة أکیدة .

الَّذِی أَحْسَنَ کُلَّ شَیْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِینٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِینٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِیهِمِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَکُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِیلاً مَّا تَشْکُرُونَ
[سورة السجدة ، الآیات 7ـ9]





4. Dr . David Raup (رئیس قسم الجیولوجیا بمتحف التاریخ الطبیعی بشیکاغو) SBS Vital Topics , David B . Loughran , April 1996, Stewarton Bible School , Stewarton , Scotland .
5. D .S . Woodroff , Science , Vol . 208, 1980, p .716- htt ://www .genesispark .org /genpark /after .htm
6. George G . , Simpson , Tempo and Mode in Evolution , Columbia University Press , New York , 1944, p . 105 , 107- http ://www .arn .org /docs /abstasis .htm
7. Charles Darwin, The Origin of Species, pp. 172-280
8. Derek A . Ager , “The Nature of the Fossil Record “ ,Proceedings of the British Geological Association طبیعة السجلات الحفریة ، أعمال مؤتمر الجمعیة الجیولوجیة البریطانیة Vol . 87, 1976, p .133
9. Mark Czarnecki, "The Revival of the Creationist Crusade," MacLean's, 19 January 1981, p. 56
10. Francis Hitching, The Neck of the Giraffe: Where Darwin Went Wrong, New Haven: Tichnor and Fields, 1982, p. 40
11. S. J. Gould, "Evolution's Erratic Pace," Natural History, Vol. 86, May 1977

لقد أخطأ داروین: الأنواع لم تتغیر

لقد أخطأ داروین: الأنواع لم تتغیر


Charles Darwin

لعل أکبر مشکلة اضطرت داروین إلى بذل الجهد فیها ، هی الطرق التی هیأت لانتقال الصفات المتوائمة من نسل إلى آخر . ففی الآونة التی توفی فیها داروین لم یکن قد اکتُشفت بعد مبادئ علم الجینات والوراثة . أما المشکلة الثانیة التی عجز عن حلها فکانت تتعلق بطبیعة السجلات الحفریة .1

کان داروین قد صاغ الفرضیة التی طوّرها باسم " نظریة التطور" على أمنیتین أوضحهما دوجلاس وارد Douglas Ward فی کلماته التی أوردناها آنفا . الأولى انتقال الجینات (الوحدات الوراثیة) ـ التی تشکل الصفات المختلفة “ بشکل خیالی” فی التغیرات التی تحدث بین الأنواع ـ إلى السلالات اللاحقة . والأخرى هی تجلی هذه التغیر الخیالی ـ الموجود بین الأنواع ـ فی السجلات الحفریة . وکان سهلاً على داروین الزعم بأن ثمة تغیرات تطرأ على الصفات التشریحیة للکائن الحی ، وأنها تأتی بأنواع جدیدة بانتقالها إلى السلالات اللاحقة. إذ کانت سنوات القرن التاسع عشر التی طرح فیها داروین أفکاره سنوات “ بدائیة “ بالمعنى العلمی لم یکن علم الوراثة قد عُرف فیها بعد . کما لم  یُکتشف تعقد الخلیة الحیة . ولم تُعرف البنیات الرائعة للجینات (الوحدات الوراثیة) التی تحدد کافة صفات کائن حی ، والمعلومات التی تنطوی علیها و الحساسیة التی تختص بها . 

تعُد الحفریات إحدى أهم وسائل استقاء المعلومات حول العصور المختلفة لسطح الأرض . وبعبارة أخرى: تدلی الحفریات بمعلومات لیس حول تاریخ الکائنات الحیة فحسب ، وإنما حول تاریخ سطح الأرض فی الوقت ذاته . أما الأنواع الحفریة المعروفة فتوجد فحسب فی الطبقات والنماذج الصخریة المعلومة . ویبدو أن هناک فی کل واحدة من الطبقات الصخریة ـ المتراکمة بعضها فوق بعض ـ مجموعات حفریة خاصة بهذه الطبقة ، یمکن أن تُوصف بأنها نوع من التوقیع لتلک الطبقة .

 

لقد کان من السهل على داروین أن یدعی أن السجلات الحفریة التی من شأنها إظهار هذا التغیر الخیالی بین الأنواع ، موجودة فی أماکن ما من سطح الأرض . لأنه ـ ووفقاً لزعمه ـ توجد حفریات تحولیة بینیة فی طبقات الأرض ، لم یُعثر علیها فحسب . وما جُمع من حفریات من سطح الأرض فی تلک الحقبة کان نزرا یسیرا ، ولم تکن قد أخرجت الحفریة البینیة .ووفقا لداروین سوف یبدأ الناس فی الالتقاء بهذه الحفریات الخیالیة المفقودة ذات یوم . والشیء  الضروری الوحید هو الوقت والدراسات المفصلة التی یمکن أن تجرى على سطح الأرض .

کانت نظریة داروین قد تأسست على هاتین الفکرتین الأساسیتین ، وإذا ما أمعنا النظر فإننا لا نجد ثمة دلیل أو ملاحظة ، وغایة ما هنالک إنها مجرد فرضیات . إذ کانت نظریة التطور نظریة طُرحت فی الأصل لأسباب لیست علمیة وإنما أیدیولوجیة تماماً .وقد طُوِّرت بغیة إقصاء الناس عن دین الله تعالى ، وطرحها باعتبارها دلیلاً ضد حقیقة الخلق . وبذلک کانت هی الشکل المعدل على تاریخ الکائنات الحیة للمنطق المادی الذی انتشر فی العالم . غیر أن هذا الجانب للزعم لم یفطن إلیه أحد بسبب “ البدائیة العلمیة “ للحقبة التاریخیة . وکانت النظریة برمتها قد ظهرت باسم العلم مع عدم منطقیتها ، ولکن فی إطار ظروف تلک الفترة لم یکن قد اتضحت بعد الأدلة التی تثبت عدم المنطقیة هذه . وسرعان ما أظهرت الفترة التی تقدر بنحو قرن ونصف والتی انقضت بعدها ،وبکثیر من الأدلة العلمیة عدم منطقیة النظریة وأنها برمتها لیس سوى خدعة . وتلاشى تماما الزعم القائل بأن الأنواع الحیة تولدت من بعضها بعضاً مروراً بتغیرات طفیفة ، وذلک بالحقائق التی کشف عنها علم الجینات والوراثة . والجینات (الوحدات الوراثیة) جسیمات بالغة التعقید والحساسیة . وهی تتأثر سلباً من أی تغیر فجائی ، وتتعرض للتلف. ومن ثم یستحیل أن یعتری الجینات تغیرات برمتها عشوائیة غیر واعیة ، تحول هذه البنیة إلى بنیة أخرى تضطلع مهام مختلفة . (لمزید من المعلومات التفصیلیة انظر هارون یحیى: الأصل الحقیقی للحیاة Hayat?n Gerçek K?keni ,Ara?t?rma Yay?nc?l?k ) .

أما السجلات الحفریة فقد شکلت خیبة أمل أخرى بالنسبة لداروین . إذ لم یتم العثور على نماذج الحفریات البینیة التی توقع داروین العثور علیها فی المستقبل . ولا یستطیع أی داروینی من بعد أن یطرح الزعم القائل بعدم کفایة السجلات الحفریة ، لأن السجلات تکاد تکون قد قدمت کافة النماذج . وقد احتُفر قسم کبیر من سطح الأرض. والحقیقة التی کشف عنها علم الحفریات هی أنه لیس هناک ولو نموذج “ تحول بینی واحد “ ، وأن الکائنات الحیة التی عاشت قبل مئات الملایین من السنین “ لم تتغیر “ . وقد أشار ستیفین جای جولد Stephen Jay Gould   عالم الحفریات التطوری من جامعة هارورد Harvard إلى هذه الحقیقة التی فطن إلیها أیضا داروین فی الأساس ، بقوله:

“ إن السجلات الحفریة جلبت على داروین الشقاء بأکثر من السعادة “.2

أما نیلز إلدردج Niles Eldredge و إیان تاترسال Ian Tattersall   التطوریان من المتحف الأمریکی للتاریخ الطبیعی فیصرحان بهذه الوضع ، إذ یقولان:

“ إن عدم تغیر الحفریات المتعلقة بالأنواع الحیة على مدار الفترة التی وُجدت فیها فی السجلات الحفریة ، لهو حقیقة یعلمها علماء الحفریات حتى قبل نشر کتاب “ أصل الأنواع “ . أما داروین فکان قد تنبأ بأن أجیال المستقبل سوف تحقق اکتشافات حفریة جدیدة تملأ هذه الفجوات . وقد ترتب على کافة ما أجری من أعمال البحث والتنقیب طیلة فترة تناهز 120 سنة مضت بعد ذلک ، أن بات واضحاً أن السجلات الحفریة لن تؤید نبوءة داروین هذه .وهذه لیست قضیة تمخضت عن عدم کفایة السجلات الحفریة ، إذ تظهِر هذه السجلات بجلاء أن نبوءة داروین التی نحن بصدد الحدیث عنها خاطئة . والملاحظة التی تتفق مع السیاق القائل بأن الأنواع ثابتة بشکل مدهش ، وأنها بقیت ثابتة على حالها دوماً طیلة الحقب الزمنیة الطویلة ، لتحمل فی طیاتها وکافة السمات الموجودة فی قصة “ الملک العاری “  ، حیث أن الجمیع رأی هذا ، لکنه أبى ألا أن یتعامى عن رؤیته . وعلماء الحفریات الذین بقوا وجها لوجه مع سجل حفری عنید یرفض بإصرار التصور الذی افترضه داروین ، تولوا عن هذه الحقیقة وطرحوها وراء ظهورهم .3

وهکذا تطورت نظریة التطور لداروین فی مناخ عُرف فیه بقدر الکفایة عدم منطقیاتها فی الأساس ، ولکن تم تجاهل هذا عن عمد . وحدوث التغیرات الجینیة المستفیدة من التأثیرات العشوائیة على الأنواع ، وانتقال هذه التغیرات إلى السلالات ، إنما هو احتمال لا وجود له على المستوى العلمی .والحفریات هی الأخرى ترفض تغیرا کهذا . ولم تقدم ولو نموذج واحد من النماذج الحفریة البینیة التی من المتعین أن تکون قد عاشت على مدار ملایین السنین . (لمزید من التفاصیل انظر: هارون یحیى ، مأزق التحول البینی(Ara Geçi? Açmaz? , Ara?t?rma Yay?nc?l?k )

إذن أی برهان علمی هذا الذی یبقی على نظریة التطور حیة ؟

لیس هناک أی برهان علمی یبقی على نظریة التطور حیة ، وتبین هذه الحقیقة مجدداً أن الأسباب التی تدعم الداروینیة ، لیس أسباب علمیة ، وإنما هی أیدیولوجیة . وموضوعیة العلم تستوجب أن تُطرح الفرضیة أولاً ، ثم یتم إثباتها بالأدلة وتتحول إلى نظریة . غیر أن هذا لا ینطبق على نظریة التطور . فالنظریة لا تُؤید ولو حتى بدلیل واحد ، ورغم هذا فلا تزال تحتفظ بما لها من مکانة فی الکتب الدراسیة ، وتُقدم فی وسائل الإعلام بأکثر الأخبار غشاً وخداعا ، وهی تُحمى بقانون ، وعادة ما یُحافظ علیها بمنطق “ أنه لا یمکن تغییرها ، ولا یمکن اتخاذ قرار مناوئ بشأنها “ . والسبب الوحید وراء هذا ، هو أن نظریة التطور لیست أطروحة علمیة ، وإنما هی عقیدة دوغماتیة مُسلَّم بها . ولا تزال السجلات الحفریة تکذّب مزاعم داروین ، وتثبت حقیقة الخلق . وحبط مسعى الداروینیین ، وأکدت الأدلة الموجودة على وجه الأرض على أن الکائنات الحیة لم تتطور ، وأعلنته صراحة . واثنان من أدل الأدلة على هذا هما عدم وجود الحفریات البینیة والثبات الموجود فی السجلات الحفریة ، أی حقیقة الثبات على الحال دونما تغیر .




. Peter Douglas Ward, On Methuselah's Trail, W. H. Freedman and Company, 1992, p. 9
2. Stephen J. Gould, The Panda’s Thumb , 1980, p.238-239.
3. N. Eldredge , and I. Tattersall , The Myths of Human Evolution , Columbia University Press , 1982, p.45-46

السجلات الحفریة تکذِّب التطور

السجلات الحفریة تکذِّب التطور

مــدخل

تحکی کتب علم الأحیاء المقررة على الطلاب ـ فی أغلب مدارس العالم تقریبا ـ قصة حیاة وهمیة فی حقیقة أمرها . وکل ما یُدَّرس تحت عنوان “ نظریة التطور” إن هو إلا آلیات وأدلة وصور ورسومات وحفریات وتاریخ أحیاء زائف تماماً . وقد باتت هذه الأسطورة موضوعاً للکتب الدراسیة ، یعیدها التربویون مراراً وتکرراً فی کل أسبوع ، وتم تبنیها لدرجة التسلیم بها وکأنها حقیقة . فما من امرئ یتلقى هذه التربیة ویشک فی صحة التطور ومصداقیته. ویعتقد جمیع الناس فی السلم الدراسی أنهم تلقوا تربیة من شأنها أن تعینهم وتعضدهم مدى الحیاة . ومن ثم سوف یصابون بالذهول ـ على الأرجح ـ جرَّاء علمهم بأنه ثمة کذبة لا تزال  تُدرَّس على مستوى العالم بأسلوب علمی إلى أقصى درجة فی موضوع هام مثل هذا ینطوی على مفهوم الحیاة. بید أن الحقیقة أنه تُبذل المساعی بإلحاح فی سبیل إقناع الناس بهذه الأکذوبة وحملهم على اعتناقها . وهذا الإجراء ـ الذی نحن بصدد الحدیث عنه ـ  إنما یجری تنفیذه على مستوى العالم بأکمله. و تُشرح فی أغلب المدارس أکذوبة مصطنعة وملفقة. وفی شطر کبیر من وسائل الإعلام تُنتج أدلة زائفة وتُختلق حکایات کاذبة حول تاریخ الکائنات الحیة. وینافح العلماء الخبراء فی تخصصهم ـ ومنهم من حصل على جائز نوبل ـ عن أکذوبة ویمارسون الرّیادة خداعاً. و”قصة حیاة الکائنات الحیة” التی حکاها التربویون لسنوات إنما هی سیناریو. وثمة خُدعة یجری الترویج لها بتعاون وتحالف على مستوى العالم أجمع ، هی خدعة التطور . والسبب الوحید لاستقواء هذا التحالف وتسیده فی الکتب الدراسیة واستئثاره بالصدارة والریادة فی وسائل الإعلام ، إنما یرجع لمادیة مرجعیتها . فلقد اشتد ساعد الداروینیة التی تغذیها وترعاها العقلیة المادیة التی تسود العالم الآن، واحتلت مکان الصدارة بفضل مساعدتها . (انظر: دین الداروینیة ، هارون یحیى) ولم تتورع هذه العقلیة عن تقدیم دلیل زائف للمجتمع، ولم تمانع قط فی أن تخدع الجماهیر؛ لأن الهدف من سیاسة الخداع الشامل هذه التی تنتهجها هدف واضح لا تخطئوه عین، هو إقصاء الناس عن دین الله، وإنکار وجوده تعالى، وإظهار المادة على أنها الوجود المطلق الوحید !

لم یقدم الداروینیون ـ الذین یسعون لدعم نظریتهم بالرسومات التخلیة والصیاغات المعادة ـ أی دلیل علمی قط حتى الیوم . وهم مثلاً لم یکشفوا ولو عن نموذج بینی واحد یمکن أن یقیم البرهان على الزعم القائل بأن الکائنات الحیة نجمت وتولدت عن بعضها البعض مروراً بتغیرات طفیفة . وهذا الوضع إنما هو مؤشر دال على انهیار التطور أمام العلم .

إلا أنه ثمة نقطة یغفلها الداروینیون، هی أن الکائنات الحیة خُلقت ! وما من شیء اسمه التطور فی تاریخ الأحیاء ؛ فالله هو خالق الکائنات کافة، ومن بیده ناصیتها. وهو بدوره من خلق المادة، وواهب الروح لأی کائن. ما من إله غیره، وما من قوة إلا هو. ولذا هناک على وجه الأرض أدلة تثبت الخلق. ویواجه الداروینیون هذه الحقیقة فی کل ما یجرونه من أبحاث ودراسات، ویسعون لإقامة الدلیل على التطور، إلا أنهم لا یفلحون. إذ لم یتأت لهم العثور على دلیل واحد یتعلق بحدوث التطور. وما استطاعوا العثور علیه هو خَلْق فجائی ومعقد وبدیع. والأدلة الزائفة أیضا لا تدعم نظریة زائفة، بل على العکس من ذلک فإنها تدحضها وتدعم القول بالشک فیها. أما الداروینیون فباسم الإبقاء على المادیة، یداومون على أسالیب الخداع والتحایل داخل حلقة مفرغة عظیمة. إلا أن هذا أیضا له نهایة حتمیة لم یتم بعد بلوغها فی وقتنا الراهن . ولقد دُحض التطور بأدلة کثیرة تفوق الحصر، لعل من أعظمها هو “ الحفریات الحیة “ التی تکشف عن نماذجها الموجودة على سطح الأرض بشکل مضطرد فی کل یوم. وبقاء کائن حی على حاله على مدار 150 ملیون سنة ، وعدم تغیره طیلة 300 ملیون سنة، إنما یقضی وبشکل أکید على سیناریو التطور ، ویقیم البرهان على أن ملایین الکائنات الحیة ـ التی حیک حولها الکثیر والکثیر من السیناریوهات ـ لم تتطور . وهناک ـ ووفقا للداروینیین ـ کائن حی یتعین تطوره. غیر أنه یتـأکد بالنموذج الحفری الذی یجسده أنه لم یمر أصلاً بتطور. وتنسف “الحفریات الحیة” مزاعم الداروینیین برمتها وتسویها بالتراب هدماً، وهی دلیل هام من شأنه أن یقضی على سفسطة التطور وترَّهاته الموجودة بالکتب الدراسیة کافة، ویمحو الأشکال البینیة الزائفة الموجودة فی کل متاحف التطور، ویثبت کذب کل سیناریوهات التطور الخیالیة الواردة بالکتب والمقالات الداروینیة. ولا یقضی تعامی التطوریین عن هذا کله على الأدلة الدامغة تلک .
 

 

تعود حفریة السرطان البحری ـ التی تبدو فی الصورة ـ تعود إلى العصر المیوسینی (منذ 23 ـ 5 ملیون سنة) ، وهی لا تختلف الإطلاق عن السرطانات البحریة الموجودة فی وقتنا الحالی .

فلقد قضت نماذج الحفریات الحیة ـ التی تزداد أعدادها بشکل مضطرد بمرور الأیام ـ على زعم التطور منذ زمن بعید.  ولسوف تشهدون فی هذا الکتاب الذی بین أیدیکم على هذا الدلیل الهام وتخبطات الداروینیین أمامه، وترون کیف أن هذه الخدعة ضعیفة وداحضة فی حقیقة أمرها منذ داروین الذی طرح النظریة . أما نماذج الحفریات الحیة الواردة بهذه الکتاب، فهی تمثل مجرد بعض من الأدلة الکثیرة التی تکشف بطلان هذه الخدعة الکبرى وفسادها. وجاری استخراج نماذج لحفریات حیة من کل الطبقات الحفریة تقریبا . وفی الواقع إن واحدة فقط من هذه النماذج لتکفی فی حد ذاتها لهدم الداروینیة. وإن شرع الله ینسف کید المنکرین، مصداقا لقوله تعالى:

أَمْ یُرِیدُونَ کَیْداً فَالَّذِینَ کَفَرُوا هُمُ الْمَکِیدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَیْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا یُشْرِکُونَ وَإِن یَرَوْا کِسْفاً مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً یَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْکُومٌ فَذَرْهُمْ حَتَّى یُلَاقُوا یَوْمَهُمُ الَّذِی فِیهِ یُصْعَقُونَ یَوْمَ لَا یُغْنِی عَنْهُمْ کَیْدُهُمْ شَیْئاً وَلَا هُمْ یُنصَرُونَ [سورة الطور ، الآیات 42 ـ 46]

حفریة غراب البحر (قاق الماء) التی تبدو فی أعلى والبالغ عمرها 18 ملیون سنة ، هی دلیل على أن غربان البحر لم تتغیر قط منذ ملایین السنین ، مما یعنی أنها لم تتطور .

تبین حفریة القسطل البحری البالغ عمرها حوالی 300 ملیون سنة أن هذه الأحیاء وُجِدَت منذ مئات الملایین من السنین ببنیات معقدة ، ولم یحدث أی تغیر فی بنیاتها خلال هذه الفترة ، ولم تمر بأی مرحلة بینیة .

کسر الأصنام

إِنَّ اللّهَ لاَ یَغْفِرُ أَن یُشْرَکَ بِهِ وَیَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِکَ لِمَن یَشَاء وَمَن یُشْرِکْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِیمًا ) النساء 48)





کسر الأصنام

یمثّل الشرک أسلوب عیش شائع فی المجتمعات التی لا تعرف الدین الصحیح. بغفلتهم عن الله، فإن هؤلاء الناس یتبنون آلهة مجتمعهم وبالتالی یشرکون بالله من دون أی تردد. ونتیجة لذلک، فإن معظم الناس لا یظنون أن أعمالهم تمثل عصیاناً على الله وأنه تعالى سیعاقبهم على جهلهم العقائدی. والأکثر من ذلک، فهم ینظرون بإزدراء إلى من یدعوهم إلى الإسلام وترک ما أشرکوا بالله. فی الواقع، فإنهم یجدون ذلک عجیب وغیر مفهوم.

لقد تصرف المشرکون فی عهد رسولنا الکریم(ص) بنفس الطریقة. فقد آمن هؤلاء بوجود الله ولکنهم قسموا أمورهم وشؤونهم بین آلهة متعددة أخرى. التجارة، الحب، الحرب، الزراعة- کلٌ له إلهه الخاص. فهذا النظام "الشرکی" بدا طبیعیاً ومنطقیاً بالکامل لهم، ولذلک، فقد تعجبوا عندما رفض الرسول (ص) هذه الآلهة ودعاهم لیؤمنوا بالله وحده:

وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْکَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ کَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَیْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِکُمْ إِنَّ هَذَا لَشَیْءٌ یُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِی الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7) ( ص: 7-4)

إن إعلان الرسول (ص) أن لا إله إلا الله وأن جمیع الآلهة من صنع البشر لیس لها أیة قوة، کان إعلان مربک للمشرکین. وأحد أهم أسباب هذا الإرباک کان عجزهم عن فهم کیفیّة عمل نظام مبنی على عبادة إله واحد. فمن سینظم تجارتهم ویضبطها إذا هجروا إله التجارة؟ من سیعینهم على أرض المعرکة إذا هجروا إله الحرب؟ وإذا لم یکن هنالک إله للزراعة، کیف وممن سیطلبون الماء والزرع الجیّد؟ فبسبب عماهم العقائدی، لم یتمکنوا من إدراک أن جمیع هذه الآلهة لا قوّة لها:

(لإِیلافِ قُرَیْشٍ (1) إِیلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّیْفِ (2) فَلْیَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَیْتِ (3) الَّذِی أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) (قریش: 4-1)

إن الناس الیوم یقعون فی الخطأ نفسه. کیف، قد یسألون، سیستطیعوا العیش بعد ترک المبادئ والأشخاص الذین یعتبرونهم کالآلهة ویعبدون الله وحده؟ إن الجواب بسیط جداً: علیهم أن یدرکوا أن الله لدیه القدرة لأن یخلقهم، لأن یرزقهم، ینزل رحمته علیهم، یحمیهم ویحفظهم. إن مستخدمهم الذی یعملون لدیه لا یطعمهم عندما یقوم بدفع مرتبهم، ولکن الله تعالى یفعل ذلک، الذی خلق مستخدمهم وقدّر رزقه وجعله یدفع لهؤلاء أجورهم. إن الأحداث لا تحدث بالصدفة، ولکنّها تحدث بتدخل ربّانی متتابع، کل حدث وفق مشیئته تعالى. لقد خلق الله العالم بقدر وقد خضع له الناس کما ذکر لنا فی سورة التکویر إلى درجة لا یستطیعون معها أن یشاءوا شیئاً إلا أن یشاء هو سبحانه: ...مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِیَتِهَا إِنَّ رَبِّی عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِیم (سورة هود:56)

قد یصوّر الشیطان للناس أن التحرّر من الشرک شیء صعب جداً ومعقد، وأن العیش بالتوحید والإیمان شیء مستحیل. إلا أن هذه الإدعاءات لیست إلا خوف مصدره من قال عن نفسه أنّه کذاب:

وَقَالَ الشَّیْطَانُ لَمَّا قُضِیَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَکُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُکُمْ فَأَخْلَفْتُکُمْ وَمَا کَانَ لِی عَلَیْکُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُکُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِی فَلا تَلُومُونِی وَلُومُوا أَنْفُسَکُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِکُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِیَّ إِنِّی کَفَرْتُ بِمَا أَشْرَکْتُمُونِی مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِینَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ ( إبراهیم : 22)

فإذاً من غیر المنطقی للناس الذین یحاولون أن یکونوا مؤمنین صادقین ومخلصین أن ییأسوا بسبب وساوس الشیطان وتخویفاته الکاذبة.

إن تغییر صادق فی النیة یکفی للتحرّر من الشرک، لأن ذلک سیحوّل رؤیة الشخص من شرکیة إلى توحیدیة. بکلمات أخرى، لا داعی لتنویر کل الأماکن لکی یراها من یضع النظارات السوداء، فیکفی أن ینزع هذا الشخص نظارته فقط. إن الشرک یسد نور الحقیقة بنفس الشکل. إن نزع النظارة بحرکة واحدة هو أمر سهل والطریقة الوحیدة للتحوّل من الشرک إلى الإیمان والصفاء اللذان یحبّهما الله. وذلک لا یتضمن أکثر من قرار التوکل علیه تعالى قی کل الظروف والإلتزام و التمسک بأوامر القرآن ونواهیه. إن هذا الصدق والتصمیم لا شک سیصحبه عون من الله ورحمة، بالإضافة إلى الفلاح فی هذه الدنیا وفی الآخرة.

لا یهدی الناس إلى الصراط المستقیم إلا الله تعالى. فمن شاء إذاً أن یفوز برضوانه تعالى فعلیه أن یسأله دوماً الهدایة، عونه فی عیش حیاة إخلاص وصدق، والتیقن من أنه تعالى سیجیب دعوته. فعلیه أن لا یقع فی فخ التشاؤم الذی ینصبه الشیطان بتساؤله " کیف سأتمکن من تخطی کل ذلک ؟ کیف سأتوصل إلى الإیمان الخالص والنقی؟ " عوضاً عن ذلک، فعلیهم أن یفهموا أن الله سیوجّهم فی الإتجاه الصحیح ویحفظهم من کل إنحراف، شرط أن یظهروا الصدق والتصمیم. وسییسّر لهم تعالى العیش فی الطمأنینة والفرح الذان یصحبان هذا الإیمان.

إن الذین یهجرون آلهتهم المزیفة ویتوجهون إلى الله لن یشعروا أبداً بالفراغ والوحدة، بل على العکس، فإنهم سیبلغون السلام، الراحة، والأمان لأن الله تعالى یقول:

... ذَلِکُمْ یُوعَظُ بِهِ مَنْ کَانَ یُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَیَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ وَمَنْ یَتَوَکَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِکُلِّ شَیْءٍ قَدْراً (3) ( الطلاق 3-2)

ولذلک، فإن الناس الذین هم مدرکون ونادمون أنهم یعیشون وهم مشرکون علیهم الإنتهاء فوراً من عبادة أصنامهم الزائفة، سواء کانت ممتلکاتهم، أموالهم أو أعمالهم. لا شیء مما یملکون یخصّهم فی الواقع. فحتى خبزهم الیومی لا یتوقف علیهم، وثروتهم الکبیرة قد أو قد لا تنتقل إلى أولادهم لیتمتعوا بها، وهکذا دوالیک. فالله تعالى فقط هو الذی بیده کل شیء وهو الذی یعطی الناس ما یشاء. بإدراکهم هذه الأمور، على الناس أن لا یصیبهم الفخر بما یملکون، بل علیهم التفکیر بأسلوب حیاتهم ونظرتهم العقائدیّة بتأنی والقیام بالتغییرات اللازمة. علیهم أن یدرکوا جیداً أن کل ما یملکون هو ملک لله وحده، أنه تعالى أمدّهم بما یملکون لیختبرهم به، وأنهم یجب أن یستخدموا هذه الأشیاء بطریقة ترضیه. بنیة تحریر أنفسهم من کل مشاعر الفخر والتملک، علیهم تحطیم هذه الآلهة بالکامل. فصدقهم فی هذا الأمر، لا یثبت إلا من خلال طریقة معیشتهم اللاحقة وتصمیمهم. فقد یتوجب علیهم إنفاق کل ما یملکون،عندما یلزم الأمر، فی سبیل الله، من دون أی تردّد أو قلق من المستقبل أو کیف سیتمکنوا من الحصول على وجبتهم التالیة. بتوکلهم الکامل على الله، علیهم التذکر دائماً أنه هو وحده تعالى الذی یرزقهم وأن یدرکوا أنهم عاجزین تماماً أمامه.

کما سبق ورأینا، فالفرق بین التوحید والإشراک هو عموماً یتعلق بالنیة وبالمنظور. لقد حطم رسولنا الکریم (ص) الأصنام داخل الکعبة، وأحرق موسى (ع) العجل ورمى برماده فی البحر. هذه الضربات وُجهت إلى تجلیات مادیة للوثنیّة، والتصرف ذاته یجب أن یطبق على الوثنیّة الرمزیة ( أو الخفیّة). فالمهم هو تحطیم مبدأ الوتثنیة والشرک، وذلک لا یتم إلا بتغییر الشخص لنیته ولمنظوره.

ولذلک، فإن التغییر العظیم الذی یختبره المؤمنون الجدد مکانه فی قلوبهم. فبینما قد یبقون على بعض الأمور من حیاتهم السابقة، إلا أنهم سیکون لدیهم منظور وفهم مختلفین کلیاً. بإختصار، فإن عاداتهم الإجتماعیة، معتقدات أسلافهم وأجدادهم، رغباتهم الخاصة وطموحاتهم، وأفکار بعض الناس، کل هذه الأمور ستخلوا من المعنى بالنسبة لهم، لأنهم سینظمون حیاتهم الجدیدة وفق القرآن الکریم لینالوا رضوان الله تعالى. بتوقفهم عن إرضاء آلهتهم الخاصة والوهمیّة، سیستسلمون لله خالقهم، کما قال النبی یوسف (ع)، عندما سأل: ...أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَیْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( یوسف: 39)

ثم قال یوسف (ع) هذه الکلمات التی تنطبق على کل المشرکین فی کل وقت :

مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّیْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُکُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُکْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِیَّاهُ ذَلِکَ الدِّینُ الْقَیِّمُ وَلَکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لا یَعْلَمُونَ ( یوسف: 40)

الشرک الخفی

إِنَّ اللّهَ لاَ یَغْفِرُ أَن یُشْرَکَ بِهِ وَیَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِکَ لِمَن یَشَاء وَمَن یُشْرِکْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِیمًا ) النساء 48)




الشرک الخفی

حتى الآن، تکلّمنا عن الشرک فی معناه العام، أسبابه، کیف ینشأ، والأشکال التی یتخذها. فی هذا الفصل، سننظر إلى نوع أخطر من الشرک: الشرک الخفی.

لقد حذّر نبیّنا الکریم (ص) المؤمنین من هذا النوع من الشرک، وأعطى کمثل على هذا الشرک الخطیر الریاء، وهو حین یراءی الإنسان بأعماله. عن محمود إبن لبید:

خرج النبی (ص) مرّةً فقال: " أیّها الناس "، إحذروا الشرک الخفی ! فسأل الناس،" یا رسول الله، وما الشرک الخفی؟" فقال، "عندما یقوم الرجل للصلاة ویسعى لتجمیل صلاته لأن الناس ینظرون إلیه، هذا هو الشرک الخفی" (جمعه إبن خزیمة)

عن أبو موسى:

خطب فینا رسول الله یوماً قائلاً " أیها الناس، إحذروا الشرک فإنّه أخفى من دب النمل على الأرض". فسأل من شاء الله أن یسأل، "وکیف نتجنّبه وهو أخفى من دب النمل، یا رسول الله؟ فردّ(ص)قائلاً " قولوا اللهم إنّا نعوذ بک من أن نشرک بک ما نعلم ونسألک أن تغفر لنا ما لا نعلم " (جمعه أحمد والطبرانی)

بالرغم من تمکن الناس من إجتناب جمیع أنواع الشرک التی ذکرناها سابقاً، إلا أن علیهم أن یظلوا متیقظین من خداع الذات. فإذا أرادوا أن یصلوا إلى الإیمان "الکامل"، فعلیهم أن یهتموا بهذا الموضوع ویجتنبوا الإعتزاز بأنفسهم:

مُنِیبِینَ إِلَیْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِیمُوا الصَّلاةَ وَلا تَکُونُوا مِنْ الْمُشْرِکِینَ ( الروم: 31)

وَیَقُولُ الَّذِینَ کَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَیْهِ آیَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ یُضِلُّ مَنْ یَشَاءُ وَیَهْدِی إِلَیْهِ مَنْ أَنَابَ ( الرعد: 27)

کما توضح لنا هذه الآیات، فقد ألزم الله المؤمنین بالإیمان "الصافی والنقی" وحرّم علیهم الشرک. وفی نفس الوقت، فقد أبلغهم أنه تعالى سیهدی من ینیب إلیه إلى الصراط المستقیم. بکلام آخر، من شاء الهدایة من الله، فعلیه تجنب جمیع أنواع الشرک وأن یجعل الله مبتغاه. ولکن ماذا یعنی هذا حقا؟

ما یعنیه ذلک هو أن یجعل الشخص من الله ولیّه ونصیره الوحید، ویسعى إلى إرضائه وحده، ولا یعتمد إلا على رحمته تعالى. فمبتغى الإنسان الوحید هو أن ینال حب الله ورضوانه. ولهذا السبب، فعلى هذا الشخص أن یعیش وفقاً لشروط الله، أوامره ونواهیه. أمّا إرضاء الأخرین ونیل موافقتهم وإستحسانهم، فهو یأتی فی المرتبة الثانیة بالنسبة إلى هذا الشخص، فهو لا یطلب شیئاً من هذه الدنیا إلا أن یکون ولیّاً لله تعالى وینال رضوانه. کل إنسان مؤمن یقرأ هذه الکلمات قد یعتقد أنّه یملک هذه الصفات. ولکن بدلاً من الثقة الزائدة بنفسه، فعلیه أن یتأمّل مطولاً وبعمق فی هذا الموضوع وأن یسعى دوماً إلى تحسین نفسه.

التذکّر أن الله على کل شیء وکیل

إن الّذین یکرّسون أنفسهم کلیّاً لله تعالى یتوکّلون علیه وحده، لأنّهم یعلمون أنه هو وحده الوکیل على کل شیء. إذاً، فلا حاجة لهم بدعاء من هم دونه. إن الذین لدیهم هذا التوکل لا یخافون ولا یحزنون، ولا یزعجهم أی شیء قد یلاقوه فی حیاتهم. مدرکین أن الله یختبرهم فی کل الأمور، فهم یقبلون هذا ویلجأون إلیه تعالى. وبتوقیرهم لربوبیّته تعالى، فهم یشعرون بالرضى بما قدر لهم بحکمته. ففی یعلمون جیداً أنه یوجد خیر کثیر فی کل الإختبارات الّتی یمرون بها:

کُتِبَ عَلَیْکُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ کُرْهٌ لَکُمْ وَعَسى أَنْ تَکْرَهُوا شَیْئاً وَهُوَ خَیْرٌ لَکُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَیْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَکُمْ وَاللَّهُ یَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( البقرة: 216)

إذاً، فالمؤمنون حقا لا ینحرفون عندما یواجهون الأحداث والمواقف التی قد یعتبرها الکافرون خطیرة وفظیعة. فهم یثبتون فی توکلهم على الله، لأنهم لو شککوا فی ربهم ولو للحظات فهذا یعنی أن ثقتهم بالله ناقصة، وأنهم قد أخفقوا فی تقدیر قدرته وحکمته تعالى. وهذا یمثل إقتراباً من الشرک، وهو شیء لیس للمؤمن فیه عذر.

وهنا قد یظهر الشرک الخفی کخطر عظیم. فمثلاً، من الخطأ جداً للذین یجدون أنفسهم فی وضع صعب أن یقول فی نفسه:" إنی عموماً شخص مؤمن ومسلّم، ولدی توکل کامل على الله، غیر أنّه قد یصیبنی الخوف فی بعض الأحیان فتتزعزع ثقتی بالله وتسلیمی له ". إن خداع الذات أمر خطیر جداً فی هذه الحالات. من الواضح أن من یتبع هذا المنطق لیس لدیه توکل حقیقی على الله. فحتى لو أقرّ هؤلاء بوجوده تعالى، فإن مجرّد التفکیر فی التسویة فیما یختص بإیمانهم یؤکد نقص فی التسلیم والتوکل لدیهم وإخفاق فی فهم قدرة الله وقوّته. وهکذا موقف وتصرّف لا نجده إلا بین المشرکین.

أما الذین یکرسون أنفسهم لله فهم یسلّمون بصدق للقدر الذی کتبه لهم، فهم یعلمون أنه لا یمکن تغییره بأی حال. ویقول الله أن کل ما نختبره مکتوب فی اللوح المحفوظ وأننا لا نختبر إلا ما کتب تعالى:

وَمَا تَکُونُ فِی شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ کُنَّا عَلَیْکُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِیضُونَ فِیهِ وَمَا یَعْزُبُ عَنْ رَبِّکَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِی الأَرْضِ وَلا فِی السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِکَ وَلا أَکْبَرَ إِلاَّ فِی کِتَابٍ مُبِینٍ ( یونس : 61)

بکلام آخر، فإن کل حدث فی حیاة الإنسان، من دون إستثناء، مکتوب فی الکتاب. کونهم مدرکین لذلک، فإن المؤمنون یقیّمون ما یحدث لهم وفقاً لهذا الإدراک، یبحثون عن الجمال فی تفاصیل قدرهم، ویتجنّبون بذلک خطأ الندم، عدم الرضا والحزن. من دون إستثناء، فالمؤمنون راضون فی کل وقت من حیاتهم.

أما إذا لم یکن الحال کذلک، فهذا یعنی أن إیمان الشخص ضعیف وأنه واقع فی الشرک. بالرغم من قول بعض الناس أنهم یؤمنون بالله و بالیوم الآخر، وأنهم مسلمون، إلا أنهم لیسوا راضین بالعیش بالتسلیم والتوکل الذی أمر به القرآن. هذا الإخفاق فی فهم المعنى الحقیقی للقدر هو أشارة إلى الشرک الخفی.

إذا،ً فمشاعر الشخص وردات فعله تجاه الأحداث تمثل أهمیّة بالغة. فعلى جمیع الأشخاص الذین یعتبرون أنفسهم مؤمنین حقاً أن یعیدوا التفکیر فی حیاتهم بأکملها، طریقة عیشهم یوماً بیوم، أحاسیسهم، أفکارهم، مشاعرهم، نظرتهم إلى الحیاة، وأهم شیء، عقلهم الباطنی لیبحثوا عن أی ضعف أو خلل فی إیمانهم.

قد یکون الشرک فی بعض الأحیان متجذراً فی حیاة الإنسان. فالخوف مثلاً قد یمنع الناس من العیش مع إیمان خالص. فی الواقع، فهم عالقین بإهتمامات ومشاغل تتعلّق بالمستقبل لدرجة أنهم یبدأون بنسیان أوامر الله ونواهیه فی سبیل تأمین مستقبلهم. إن تصرفهم هذا یتضمن القیام بتنازلات ضروریة بالنسبة إلى الدین. أو أنهم حتى قد ینظرون إلى هذه المصاعب على أنها غیر مرحّب بها ویثورون على الله تعالى. وهنا ینسى معظم الناس قدرة الله وسلطانه ویقعون فی الشرک الخفی. فبنسیانهم أن الله وحده هو الذی بیده مستقبلهم، یرزقهم ما یملکون، ویمحی الصعوبات من حیاتهم، فهم یسعون إلى المعونة من جهات أخرى.

على کل شخص أن یتجنّب بقوّة هذا التصرّف الخاطئ، وبحال وجد نفسه فی هکذا موقف، أن یترکه فوراً. فعلیه أن ینظر إلى وضعه من وجهة النظر القرآنیّة، أی یتذکر أن الله على کل شیء قدیر وأنّه تعالى ربّ کل شیء.

فإذا أصاب أحد الأشخاص مرض خبیث أو شلل دائم فی حادث ما، فإن کان یعتبر نفسه مؤمن صادق وحقیقی، فهو لن یشعربالحزن الشدید أو القلق. فی الواقع، فإنه لن یشتکی حتى من هذه الصعوبات، بل إنه سیستقبل هذا الوضع الجدید بالتسلیم والرضى، على علم منه أن هذا ما قدّره الله له، وأنه أذا صبر على ما أصابه، فسینال الثواب العظیم فی الآخرة. فالمؤمنین الصادقین یتحملون کل أنواع المصاعب برضى وینظرون إلى الخیر والحکمة من وراءها. وهم لا یفعلون ذلک لمواساة أنفسهم، بل لأنهم یوقنون أن الخیر موجود فی هذه الصعوبات. بإدراکهم لحقیقة أن الله قدر مصیرهم وأن کل ما یحدث یحدث لحکمة ما، فهم یتأملون فی أمور حیاتهم، و یبقون على صبرهم وثباتهم فی کل الأوقات.

کل شخص قد یختبر أحداث غیر متوقعة فی أی وقت، کأن یُظلم أو یُفترى علیه الکذب، أو أن یُعتدى علیه شفهیاً أو جسدیاً. ولکن من کان بریئاً من الشرک الخفی أو الظاهر لا ینسى قدره ولا یصبح أبداً فریسة لمشاعره وأحزانه، ولا یقلقه شیء. فهو یتذکر دوماً أن الله على کل شیء وکیل وأن أی شیء یصیبه هو فی دائرة قدره الله تعالى له. فنجده یقابل الشر بالخیر، کما یأمر القرآن.

قد یمر المؤمنون عبر أحداث قد تشکل رعباً حقیقیاً بالنسبة للکافرین، ولکنها تبدو عادیة بالنسبة لهم. فالمؤمنون الصادقون لا یشعرون بالخوف ولا بالقلق، لأنهم وضعوا کامل ثقتهم بالله. ففی حال فقدوا عائلتهم مثلاً وکل ما یملکون فی وقت واحد، فهم یثبتون على تسلیمهم وخضوعهم لله تعالى فی کل وقت. وفی وجه ما قد یعتبره الکافرون مصیبة، فإن إیمانهم، خضوعهم، تسلیمهم، وتوکلهم على الله لا یتزعزع. فهم لن یصیبهم الحزن أو یتحولوا إلى ضحایا تشاؤمهم، حزنهم، ویأسهم.

على الناس أن یفکروا بصدق فی کیفیة تصرفهم فی مواقف کالتی ذکرناها، ومن ثم إتخاد التدابیر اللازمة لتجنب الوقوع فی الشرک الخفی. فإن الإعتقاد کما یفعل الکثیرون أن "ذلک شیء بسیط لا یضر"، معتبرین ردود فعلهم الجاهلة والخاطئة خلال الأوضاع الصعبة أمر طبیعی وبسیط، أو الإرتکاز بردات فعلهم على ردّات فعل الآخرین قد یقود أیضاً الشرک الخفی :

وَإِنْ تُطِعْ أَکْثَرَ مَنْ فِی الأَرْضِ یُضِلُّوکَ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ إِنْ یَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ یَخْرُصُونَ ( الأنعام: 116)

عامل آخر قد یقود الناس إلى الشرک هو الإعتقاد بإن شخص ما ناجح بسبب مجهوده الخاص. فمن الخطأ الجسیم لمن یقوم مثلاً بخطاب ما، نسبة خطابه الناجح إلى نفسه ومنطقه وذکاءه، فالله فقط هوالذی أراد لهذا الشخص أن یقدم ذلک الخطاب. أو بحال کان شخص ما ناجح، یقوم بالإکتشافات العلمیة، أو یخترع أشیائاً لتسهیل الحیاة على الناس، فکل ما یعنیه ذلک هو أن الله شاء ذلک فی قدر هذا الإنسان. لا یستطیع الناس أن یکونوا السبب فی نجاحهم، فالتصدیق بذلک، ومن ثم التفاخر بإنجازاتهم یعنی نسیانهم لربّهم :

وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ یَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ کَانَ عَلِیماً حَکِیماً ( الإنسان:30)

على الناس حین یمرّون بالمحن والأمور السلبیّة ( مصائب وکوارث، أمراض، إصابات) أن یتذکروا أن هذه الأمور کلها هی جزء من قدرهم. فلا یجب أن تعزى هذه المصائب إلى سائق متهور مثلاً، لأن هذا یعنی عدم فهمهم لحقائق الإیمان. بالتأکید فإن الله خلق مختلف الأسباب التی تُعزى هذه الأمور لها، ولکن کل هذه الأسباب هی تحت سیطرة الله وعلمه. فالذین یعلمون هذه الحقائق قد عرفوا جیداً قدره تعالى. أما الآخرین الذین یرفضون تقبّل ذلک، فهم قد سقطوا فی الشرک الخفی. فمع أن مرض شخص ما مثلاً سببه جرثومة، إلا أن الله هو الذی خلق هذه الجرثومة وجعلها تؤدی وظیفتها وهدفها الذی یتمثل فی إمراض ذلک الشخص وذلک تحقیقاً لقدره. ویعطینا تعالى مثلاً للصعوبة التی واجهها المؤمنون على زمن الرسول (ص):

وَمَا أَصَابَکُمْ یَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِیَعْلَمَ الْمُؤْمِنِینَ (166) وَلِیَعْلَمَ الَّذِینَ نَافَقُوا وَقِیلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاکُمْ هُمْ لِلْکُفْرِ یَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِیمَانِ یَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَیْسَ فِی قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا یَکْتُمُونَ (167) ( آل عمران: 167-166)

بمعنى آخر، فبما أن کل الأحداث تحدث بمشیئة الله، فلیس هنالک سبب منطقی للغفلة عن واقع أن کل شیء ضمن إرادته وسیطرته تعالى. فبما أنه العلیم، فکل دقیقة من حیاة الشخص تحدث لأنه تعالى شاء ذلک. لا یهم کیف قد یبدو حدث ما، ولکنه یحمل دائماً حکمة کبیرة معه. ولکن الناس، مؤمنون وغیر مومنین قد لا یفهمون دوماً الحکم من وراء بعض الأحداث. فأحیاناً قد یتمکنوا من فهمها، فیشکرون الله، وأحیاناً أخرى قد لا یکون ذلک فی مقدورهم ذلک إلا أنهم یحافظون على ثقتهم بربّهم، لعلمهم أنه یخلق کل شیء لخیر وحکمة.

منطق" ألقلیل من الإیمان والقلیل من الشرک "هو خطأ کبیر

أن الشرک الخفی یمثل خداع خطیر للذات مصدره تبنی المنطق الذی یقوم على مبدأ " قلیل من الإیمان وقلیل من الشرک " و" لا یضر قلیل من الشرک مع الإیمان ". یجب على کل المؤمنین أن یکرّسوا أنفسهم لله فی کل وقت وأن لا یقوموا بالتنازلات والتسویات فی هذا الأمر، لأن هذه الأمور هی من المتطلبات الأساسیة للإیمان والمنطق. فإذاً، علیهم أن لا یعتقدوا بتاتاً أن أی شخص أو جهة ما غیر الله تملک أی قوّة أو قدرة حقیقیّة. ویأکّد القرآن على هذه الحقیقة کالتالی :

قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِینَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَیْرٌ أَمَّا یُشْرِکُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَکُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا کَانَ لَکُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ یَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِیَ وَجَعَلَ بَیْنَ الْبَحْرَیْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَکْثَرُهُمْ لا یَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ یُجِیبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَیَکْشِفُ السُّوءَ وَیَجْعَلُکُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِیلاً مَا تَذَکَّرُونَ (62) أَمَّنْ یَهْدِیکُمْ فِی ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ یُرْسِلُ الرِّیَاحَ بُشْراً بَیْنَ یَدَیْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا یُشْرِکُونَ (63) أَمَّنْ یَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ یُعِیدُهُ وَمَنْ یَرْزُقُکُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَکُمْ إِنْ کُنتُمْ صَادِقِینَ (64) ( النمل: 64-59)

کما نرى من الآیات السابقة، فإن کل ما یحدث یحدث فقط لأن الله أراد له الحدوث. إن نسیان هذا الواقع والإعتقاد أن أی شیء یحدث بطریقة مستقلة عن الله هو فی الحقیقة شرک به تعالى.

أن الشرک الخفی هو العائق الأصعب أمام تحوّل إیمان المرء إلى إیمان صحیح وحقیقی. فإن الشخص لا یکون مؤمناً حقّاً إلى إذا کان إیمانه نقی من کل شائبة. فالبحث عن حلٍ وسط، أو التخیّل أن أی جهة تملک قوة أو سلطان حقیقی هو من الشرک. إن التظاهر بعدم فهم هذه الحقیقة لا جدوى منه ولیس إلا خداعاً للنفس. إن الأمور التی تُناقش هنا هی وقائع یجب على المسلمین أن یتفکّروا فیها ویعملوا بجهد لیحقّقوها فی حیاتهم فی أسرع وقت ممکن. إن إعتقاد الشخص بإنه منیع ضد هذا الخطر وأنه بالإمکان العیش "کنصف مسلم" هو لیس فقط شیء غیر منطقی، ولکنه السبب لحیاة مضطربة ومتعِبة. على الناس أن یقیسوا رغباتهم فی الدنیا وفق الشریعة، وأن یکتشفوا أخطاءهم ثم یقومون بتصحیحها. فلا أحد یعلم متى یموت ویُدعى إلى الحساب.

قد لا یعانی الناس من ضرر کبیر إذا قاموا بتأجیل أمور أخرى. غیر أن عدم إیجاد الحل الصحیح لهذا الأمر الأساسی یشکل خطرٌ وخطأ کبیرین، کونه أمر بالغ الأهمیّة. فالشرک هو الخط الفاصل بین الإیمان والشرک، والشرک الخفی هوالسدّ الخادع الذی یمنع الناس من رؤیة الحقیقة، یغبش منطقهم ورؤیتهم، یدفعهم إلى نسیان سبب وجودهم، ویقودهم إلى الغفلة عن یوم الحساب.

فما أن یعی الناس أنهم قد سقطوا فی الشرک، فمن السهل أن یحرروا أنفسهم. فکل ما علیهم فعله هو أن یقدِروا الله الذی هو خالقهم، حقّ قدره. فمن یعتقد بأن فعل ذلک أمر صعب فهو مخطىء ومتوهّم. فی الواقع، فأن هذا التصرف یعکس صدقهم وإخلاصهم. فالله لا یرید إلا شیئین إثنین من المؤمنین: إخلاص کامل له وحده وإیمان متکامل به بصفته مالک القوة والسلطان الحقیقیین.

أن من یملکون هذه الصفات لن یلاقوا إلا الفلاح، السرور، والنعم من الله تعالى حین یرجعون إلیه لا یشرکون به شیئاً:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُم فِی الأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَیُمَکِّنَنَّ لَهُمْ دِینَهُمْ الَّذِی ارْتَضَى لَهُمْ وَلَیُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً یَعْبُدُونَنِی لا یُشْرِکُونَ بِی شَیْئاً وَمَنْ کَفَرَ بَعْدَ ذَلِکَ فَأُوْلَئِکَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} ( النور: 55)

إن حالة المؤمنین فی الآخرة تصفها هذه الآیة:

إِنَّ الْمُنَافِقِینَ فِی الدَّرْکِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِیراً (145) إِلاَّ الَّذِینَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِینَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِکَ مَعَ الْمُؤْمِنِینَ وَسَوْفَ یُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِینَ أَجْراً عَظِیماً (146) ( النساء:146-145)

العاطفة: خطر قد یقود إلى الشرک

إِنَّ اللّهَ لاَ یَغْفِرُ أَن یُشْرَکَ بِهِ وَیَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِکَ لِمَن یَشَاء وَمَن یُشْرِکْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِیمًا ) النساء 48)




العاطفة: خطر قد یقود إلى الشرک

کما قلنا سابقاً، لیس للشرک أی أساس عقلانی أو منطقی. فإن الشخص لا یبدأ بالتفکیر کیف سیتّخذ آلهة أخرى ویجعل لله الشرکاء. فی الواقع، عندما یبدأ الناس بالتفکیر بوضوح و یستعملون منطقهم وضمیرهم للتفکّر فی محیطهم، فإنهم سرعان ما یعلمون أن الله هو الإله الوحید. غیر أن بعض الناس، الأکثریة ربّما، لا یتفکرون، وبالتالى یسلکون السبل المنحرفة.

إن الفشل فی الإلتزام بهذه الحقیقة، أی لا إله إلا الله، حتى عندما یتقبّلها الشخص عقلیاً ومنطقیاّ، مصدره العوامل العاطفیة المتعددة التی تؤثّر على تفکیر الشخص ومنطقه. بهدف الإیجاز، فإننا سنشیر إلى ذلک على أنه " العاطفیة " أو " الرومانتیکیة ".

یستطیع الناس أن یفکروا ویتصرفوا بطریقة صحیحة فقط عندما یحکّمون عقلهم. العدید من الآیات القرآنیة تصف کیف یفقه المؤمنون الحقائق المهمة باستخدام عقلهم وکیف أن المشرکین والمنافقین یجدون أنفسهم دائماً فی المآزق بسبب عدم إستخدامهم لعقلهم. أحد أهم الأسباب لهذا هو أنهم یتصرفون فقط طبقاً لعواطفهم. فالعاطفة، التی تطمس المنطق، تجعل الناس عرضة لإیحائات الشیطان وتجعلهم ألعوبة بین یدیه. فهو، عبر هذا " السلاح " یوجّه المشرکین کیفما یشاء و یسوقهم إلى الإنحراف والضلال.

إن الله تعالى یمنح المشاعر کالحب، الخوف، الثقة، الحاجة، والأمان للناس منذ ولادتهم. على الناس أن یستعینوا بهذه الصفات لنیل رضوان الله، إتّباع هداه، والدفاع عن الخیر والحقیقة. ولکن بحال تحوّلت هذه المشاعر عن هدفها الحقیقی، فإنها تصبح تمثّل قوة تدفع بالشخص نحو الشیطان والشرک. إذا وُجّهت هذه المشاعر نحو الخیر، وهو هدفها الصحیح، فإنها تقود صاحبها إلى الإیمان، الصفاء، وإلى الله تعالى. أما إذا اتّجهت نحو الشر، فإنها تسوقه إلى الشرک. فی الحالة الأولى، سینتظر المؤمنون ثوابهم من الله، وفی الحالة الثانیة، وهی التی تتعلّق بإعطاء صفة الألوهیة لکینونات من صنع البشر وللأهواء الشخصیة، فلن یلاقی الکافرون إلا غضب الله وعذابه.

إن الفئة الثانیة من الناس لا تدرک ( أو لا تهتم ) أن الحب، الحمد، التعظیم، الخوف، التوقیر، الثقة، والدعاء یجب أن یُوجّهوا إلى الله، لأن لیس هنالک مصدر آخر ورازقُ لکل شیء، ولیس هناک مالک حقیقی للقدرة والجمال، العلم والقوة سوى هو تعالى. إذا نسب أحد صفة من هذه الصفات إلى غیر الله، فهو یکون قد وقع فی الشرک.

سنقوم الآن بتفحص مشاعر الحب، الخوف، والإستعانة لنبیّن کیف أن الفشل فی السیطرة على هذه المشاعر باستعمال المنطق، ثم تأسیس حیاة المرء على هذه القرارات الخاطئة المتأثرة بهذه المشاعر، قد یودی بالإنسان إلى الشرک.

الحب

یُدرک المؤمنون أنّ بما أن الله هو الذی خلقهم، فهو الوحید الذی یستحق حبّهم وإخلاصهم. بعد أن أنشأئهم من العدم، فقد إستمر تعالى بتلبیة کل إحتیاجات عباده الجسدیة والروحیة، وبمدّهم بالنعم التی لا تُحصى. والأکثر من ذلک أنّه طالما أن عباده یؤمنون به ویطیعوه، فالله سیجزیهم خیرالجزاء من نعمٍ وبرکاتٍ فی الدنیا والآخرة، بالإضافة إلى ما هو خیر من کل ذلک، رضوانه تعالى. فهو یعطی کل هذه الأشیاء من دون مقابل، کرحمة وکرم منه. فإذا علمنا کل ذلک، فکیف یُعقل أن یستحق أی فرد من الخلق حب الإنسان وإخلاصه.

إن سبب من أسباب الحب هو الإهتمام والعجب الذی یشعر به الشخص عندما یواجه الصفات الرائعة والجمیلة لمحبوبه. وعندما یصبح هذا الإهتمام والعجب متبادلان بین الطرفین، تتحوّل العلاقة إلى رابط حب قوی. غیر أن ما یهمّ هنا هو أن یدرک الشخص لمن ینتمی هذا الجمال والتفوّق فی الواقع، ثم ان یوجّه مشاعر الإهتمام والإعجاب فی الإتجاه الصحیح، أی الله، مصدر کل الجمال، الروعة، والصفات العلیا. فهذه الصفات التی قد تبدو متأصلة فی خلقه لیست سوى إنعکاسات لصفاته العلیا، وهی فی الحقیقة ملک له وحده تعالى. فمتى أقررنا أن الله تتجلى صفاته وقدراته فی عباده، فإن أی حب یشعر به المرء لا بد أن یکون لله وحده. فإذا کان لیس هذا هو الحال، فقد وقع الإنسان فی خطأ الشرک بالله.

بالتاکید أن الشعور بالحب لیس خطأً. ولکن الخطأ هو نسیان الله والتعلّق بشغف وتعصب بما هو غیره تعالى أو بترک الأمور التی ترضیه تعالى. عندما ینظر الإنسان بعین الإیمان، فإن کل الجمال ألذی عند البشر یراه على أنه ملک لله. إن الذین یدرکون ذلک سیتوجّهون له تعالى و هم یعون أنهم بحبهم للأشخاص الآخرین، فهم فی الواقع یحبّون الله. أما حب المشرکین، فهو مختلف:

وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَیْنِکُمْ فِی الْحَیَاةِ الدُّنْیَا ثُمَّ یَوْمَ الْقِیَامَةِ یَکْفُرُ بَعْضُکُمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ یَوْمَ الْقِیَامَةِ یَکْفُرُ بَعْضُکُمْ بِبَعْضٍ وَیَلْعَنُ بَعْضُکُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاکُمْ النَّارُ وَمَا لَکُمْ مِنْ نَاصِرِینَ (العنکبوت: 25)

إن رابط الحب هذا سیتحوّل إلى کراهیة ورفض مشترک، لأن هذه الأوثان التی تتعلّق بها الناس عبر الروابط العاطفیة ستعود علیهم بالعذاب فی الآخرة. لا أحد یتّخذ من الله إلهاً وحیداً له یستطیع أن یحبّ أی شیء أو شخص أکثر مما یحب الله. أما بالنسبة إلى المشرکین، فیقول القرآن:

وَمِنْ النَّاسِ مَنْ یَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً یُحِبُّونَهُمْ کَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِینَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ یَرَى الَّذِینَ ظَلَمُوا إِذْ یَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِیعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِیدُ الْعَذَابِ (البقرة: 165)

إن المؤمنون یوجّهون حبّهم کله إلى الله، لأن عدم فعل ذلک یعنی أنهم لیسوا صادقین فی إیمانهم أو إن علمهم بالله والإسلام ناقص. فی الواقع، فإن الذین یجعلون لله الشرکاء لدیهم فهم خاطئ عنه تعالى. مع عدم قدرتهم على تأسیس علاقة قریبة مع الله وتقدیره حق قدره، فإنهم یوجّهون حبهم نحو غیره.

من الجیّد هنا أن نرکّز على العلاقة بین الرجل والإمرأة، وهو الشکل الأکثر وضوحاً ومشاهدةً للحب الذی ینتج عنه الشرک. فی هذه العلاقات، فإن أی حبٍ وتعلُقٍ بالآخر مبنی بشکل مستقل عن رضوان الله هو سبب کبیر للإنحراف نحو الشرک. فلذلک نرى أن هذه العلاقات مبنیة على ما یُعرف بالرومانتیکیة، العاطفة، الأحاسیس، والفائدة المشترکة، لأن الشخص هنا یبحث عن إرضاء الشریک. ومن دون أی تردد بالنسبة إلى التعدّی على الحدود التی وضعها الله للناس، فی سبیل إسعاد أنفسهم، یوجّه کل شخص من أصحاب هذه العلاقة کل الحب الذی منحه إیاه الله إلى شریکه، وعاجلاً أم آجلاً ینسون ألله. والنتیجة أشخاص یؤدّون واجباتهم تجاه بعضهم البعض، ینسون واجبات الله ویرى الواحد الآخر على أنّه مستقل عن الله تعالى. یصف القرآن هذا العلاقات على أنّها عبادة متبادلة وتألیه للشخص الآخر.

یذکر القرآن حب النساء المملوء شهوةً وشغفاً الذی نجده فی هذه العلاقات. فإذا کان هذا الحب یتسبب فی نسیان الإنسان لربّه وعدم ذکره کما ینبغی، أو إذا کان الشخص یفضّل حب النساء على حب الله، فاستحوذ هذا الحب على قلبه الذی أصبح فارغاً من حب الله، فإنه فی هذه الحال سیتحوّل مع الوقت إلى الشرک. وذلک کلّه ینطبق أیضاً على الأنثى فی هذه العلاقة. ویخبرنا القرآن أن هذا الحب الذی یعتبره المجتمع " بریئاّ "، فی الواقع لا یرضی الله تعالى.

إن المجتمع یسمّی هذا النوع " الشرکی" من الحب " الحب الحقیقی"، " الحب الرومنسی"، و" الإحساس النقی"، وهو حتّى یُثنی على هذا الحب ویشجّعه. بما أن هذه الحملة الدعائیة "الرومنسیة" تعوق التطوّر الذهنی والعقلی للأشخاص الناشئین، فإنّنا نلحظ ظهور الأجیال الغافلة عن الدّین، الإیمان، وسبب وجودهم. بما أنّهم لم یعرفوا الله، فهم لا یشعرون بأی حب، ورع، أو توقیر له تعالى. بالنسبة لهم، الشرک هو شکل طبیعی من التصرّف، و أسلوب حیاة مقبول. بالتأکید أن باستطاعة الناس أن یحبوا وأن یشعروا بالعاطفة تجاه بعضهم البعض، ولکن لیس بطریقة مستقلّة عن الله.

إن الحب الذی یشعر به المؤمنون هو حبٌ شفّاف، مشع یبعث الطمأنینة فی القلب، لأنه موجّه إلى الله. فهم یحبّون الآخرین لأنهم لیسوا إلا تجلیّات من الله. ولهذا نجد أن المؤمنون لا یحزنون کثیراً عندما یموت أحد أحبابهم أو عندما یخسرون شیئاً عزیزاً على قلبهم. فهم یعتبرون أن کل الجمال الروحی والجسدی فی المحبوب هو فی الواقع ملک لله الذی هو أقرب إلیهم من حبل الورید، فهذه الخسارة لیست إلا إسترجاع لإحدى تجلیاته تعالى بهدف إختبار هذا الشخص. فطالما أن هذا الشخص ثابت على الإیمان والفهم، فإن الله سیستمر بالتجلی بأحلى صفاته. بما أن المؤمنین الذین یملکون الإیمان الصحیح مدرکون لهذه الحقیقة، فإنهم منیعون لکل أشکال الأسى والحزن:

إِنَّ الَّذِینَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَلا هُمْ یَحْزَنُونَ (الأحقاف: 13)

أما المشرکون، فهم یعانون فی قلوبهم من آلام الفراق حین یموت الشخص الّذی أحبّوه وکرّسوا أنفسهم من أجله. فکل إنسان أو شیء فضلّوه على الله تعالى وجعلوه ندّا له سیکون مصدر عذاب لهم فی الدنیا والآخرة. إن هذا الأمر یشکّل موضوعاً لکثیر من الأغانی، القصائد، الروایات، والأفلام، التی هی أکثرها مکرّسة لمواضیع مثل الفراق، الخیانة، الهجر، الحب الغیر متبادل، الموت، الألم، والعذاب الذی ینتج عن کل ذلک.

فآلام هؤلاء التی تبدأ فی هذه الدنیا سوف تستمرّ فی الآخرة، وبشکل أشدّ وأقوى من الناحیة الروحیة والجسدیّة. ویذکر القرآن النار التی تطّلع على القلوب.(الهُمَزَة:7-5) فکل شکل من أشکال ألم القلوب فی هذه الدنیا یمثّل جزء یسیر من العذاب الأکبر الذی سیلاقیه المشرکون فی جهنّم. فالله ینتقم فی الدنیا وفی الآخرة من الذین خانوه وجعلوا له الشرکاء من دون علم.

الخوف

عامل آخر یقود الناس إلى الشرک هو الخوف. ذلک الشعور، الذی من المفترض أن یوجّه فقط إلى الله، عندما یوجّهُ نحو أحد من عباده، ویؤثر على موقف الشخص وتصرّفاته، فإن هذا الشعور یصبح فی خانة الشرک. یعلم المؤمنون أن الله هو وحده الذی یستحق أن یخافوا منه ویوقّروه. فهو القوی العزیز، بیده کل الأمور، وهو الذی أخضع کل شیء لإرادته. فلا شیء یستطیع أن یضرّ الإنسان بغیر إذنه تعالى، وهو فقط یستطیع أن یکشف الضرّ. إن الخوف من أیة جهة غیر الله یعنی أن الإنسان یعتقد أن هذه الجهة لها وجود مستقل عن الله وأنها خارج نطاق سیطرته:

وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَیْنِ اثْنَیْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِیَّایَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِی السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّینُ وَاصِباً أَفَغَیْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) (النحل: 52-51)

أَلَیْسَ اللَّهُ بِکَافٍ عَبْدَهُ وَیُخَوِّفُونَکَ بِالَّذِینَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ یُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (الزمر:36)

کما تؤکّد لنا هذه الآیات، فإن المشرکین یخافون من الناس وحتّى من المؤمنین بدلاً من أن یخافوا من الله، وهذا شعور منحرفٌ سببه قلة الفهم لدیهم:

لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِی صُدُورِهِمْ مِنْ اللَّهِ ذَلِکَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا یَفْقَهُونَ (الحشر:13)

الإستعانة والتوکل

کل کائن دون الله هو فقط خلق من خلقه یوجد فقط لأن الله أراد ذلک، وهو حیٌ لأن الله یمدّه بما یلزم من الرزق وأسباب البقاء. بإختصار، فإن کل شیء باستثنائه تعالى، هو عاجز، فقیر، محتاج، ولا یملک أیة قوّة أو قدرة خاصة به. أذاً، باستثناء الله، فلا یوجد شیء نتوکل علیه أو نستعین به. إن رفض هذه الحقیقة والتوکل على الأسباب، الوسائل، والأشخاص، یعنی نسبة الإستقلالیة والقدرة الذاتیة لهم، وبإختصار، فإن ذلک شرک:

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ یُنصَرُونَ (74) لا یَسْتَطِیعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ (75) (یس:74-75)

لقد حذّر النبی محمّد (ص) أصحابه من طلب العون من غیر ألله تعالى. یقوله (ص): إذا سألت فاسئل الله.

یخبرنا القرآن أن المشرکین سرعان ما یتحوّلون إلى عبید للأوهام التی خلقوها. فبنسیانهم لله وسعیهم لإرضاء خلقه، لحمایة أنفسهم کما یعتقدون، فهم یعیشون حیاتهم فی حقارة وذلّ، فی سبیل إرضاء هذه الأصنام. غیر أن هذه الأصنام ستخیّب کل الآمال التی یضعها هؤلاء فیها. وهذا جزء یسیر من الخزی الذی یلاقوه جرّاء انحرافهم عن منهج الله.

یصف الله عدم الجدوى فی اتباع الناس لآلهة ابتدعوها:

یَا أَیُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِینَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ یَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ یَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَیْئاً لا یَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (الحج:73)

هنا أیضاً نرى عجز هذه الآلهة:

أَیُشْرِکُونَ مَا لاَ یَخْلُقُ شَیْئاً وَهُمْ یُخْلَقُونَ (191) وَلاَ یَسْتَطِیعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ یَنصُرُونَ (192) (الإعراف:192-191)

وَالَّذِینَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا یَسْتَطِیعُونَ نَصْرَکُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ یَنصُرُونَ (الأعراف: 197)

ولکن بالرغم من کل ذلک، یستمرّ الناس فی التوجّه والتوسل بالدعاء إلى هذه الأصنام. أما بالنسبة إلى مصیرهم، فیخبرنا القرآن:

فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَکُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِینَ (الشورى: 213)

تطلعنا سورة الکهف على قصة الرجل صاحب الحدیقة الرائعة، التی ملئت بالنخل والثمر، والذی لقی الخزی والعذاب فی هذه الدنیا. فقد کان شدید الفخر بحدیقته وما یملک، وادّعى أن هذه الأشیاء ستدوم له ولن تفنى أبداً وأن یوم الحساب لن یأتی. ولکن حین أنزل الله به العقاب وأصبحت هذه الحدیقة الرائعة خاویة على عروشها، أدرک فداحة خطأه بجعله الشرکاء لله:

وَأُحِیطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ یُقَلِّبُ کَفَّیْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِیهَا وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَیَقُولُ یَا لَیْتَنِی لَمْ أُشْرِکْ بِرَبِّی أَحَداً (42) وَلَمْ تَکُنْ لَهُ فِئَةٌ یَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا کَانَ مُنتَصِراً (43) (الکهف:43-42)

أن الذین یعلّقون آمالهم على غیر الله، الذین یضعون ثقتهم فی غیره تعالى، وأیضاً یسعون إلى إرضاء غیره، فهؤلاء لن یبلغوا مبتغاهم. ولذا، فإنهم دوماً یشعرون بالفراغ، الوحدة، وبأنهم مهجورون، وخاصة فی الأوقات الصعبة:

لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (الإسراء:22)

ونرى فی القرآن مثلاً رائعاً لوصف حالهم هذا:

ذَلِکَ وَمَنْ یُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَیْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَکُمْ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا یُتْلَى عَلَیْکُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَیْرَ مُشْرِکِینَ بِهِ وَمَنْ یُشْرِکْ بِاللَّهِ فَکَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّیْرُ أَوْ تَهْوِی بِهِ الرِّیحُ فِی مَکَانٍ سَحِیقٍ (31) (الحج: 31-30)

فی المقابل، المؤمنون الذین یضعون ثقتهم ویعتمدون على الله وحده، الذین یفردونه فی العبادة ویطلبون منه المعونة، یعیشین حیاتهم متمتعین بالنعم، الإحترام، والإعتزاز:الَّذِینَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِکْرِ اللَّه..."(سورة الرعد:28). عندما یکون قلب الإنسان مطمئن بذکر الله، فإنه لا یحتاج إلى أی شیء آخر، حتى عندما یواجه صعوبات کثیرة. فهم مکرّمین کالنبی یعقوب (ع) الذی قال: ..إِنَّمَا أَشْکُو بَثِّی وَحُزْنِی إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُون (یوسف:86). وهذا الموقف یعود إلى فهم المؤمنین الصحیح للقدر:

{قُلْ لَنْ یُصِیبَنَا إِلاَّ مَا کَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْیَتَوَکَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} (التوبة:51)

عندما یجتمع الحب، التوکّل، والرجاء فی قلب المؤمن، فالذی نحصل علیه هو الولایة من الله التی وصفت فی القرآن الکریم والتی تتمثل بالمودّة والنصرة منه تعالى:

إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْکُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ یُحْیِ وَیُمِیتُ وَمَا لَکُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِیٍّ وَلا نَصِیرٍ (التوبة:116)

بما أن الله هو الوحید الذی یملک القوة الحقیقیة، فکل شیء إذاً یعتمد علیه تعالى:

قُلْ أَغَیْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِیّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ یُطْعِمُ وَلا یُطْعَمُ قُلْ إِنِّی أُمِرْتُ أَنْ أَکُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَکُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِکِینَ (الأنعام:14)

غیر أن إحدى أهم الصفات لدى المشرکین هی إصرارهم على إتخاذ أولیاء من دون الله، مع أن التولّی عن الله وإتخاذ عباده أولیاء یمثّل إثماً عظیماً یجرّ العواقب الوخیمة:

أَفَحَسِبَ الَّذِینَ کَفَرُوا أَنْ یَتَّخِذُوا عِبَادِی مِنْ دُونِی أَوْلِیَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْکَافِرِینَ نُزُلاً (الکهف:102)

بینما یتّخذ المؤمنون الله وحده ولیّاً لهم، فإن الکافرون والمشرکون ینظرون إلى الشیطان على إنّه ولیّهم. بطاعتهم لأوامره، فهم یستهزئون بالقرآن الکریم والحدود التی وضعها الله تعالى لخیر البشر، یتعمّدون جعل الشرکاء له، لا یذکرونه، ویظهرون ولائهم وإنتمائهم للشیطان. هذا التصرّف الّلا عقلانی یؤدّی بصاحبه إلى أسوأ خاتمة:

کُتِبَ عَلَیْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ یُضِلُّهُ وَیَهْدِیهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِیرِ (الحج:4)

الشعور بالإمتنان

یلقى الناس جمیع أنواع النعم طیلة حیاتهم. وبما أن أکثر هذه النعم قد تُردّ إلى مختلف الأسباب، فإن من الطبیعة البشریّة توجیه الشکر والإمتنان إلى تلک الأسباب بدلاً من توجیهها نحو الله تعالى. یستخدم القرآن عبارة " الشکر" لوصف هذا الشعور بالإمتنان. غیر أن على الجمیع أن یعلم أنه مهما کانت هذه الوسائل والأسباب، فإن علیهم أن یدرکوا أن الله هو وحده الذی یمدّ بالنعم وأن لا یتوکّلوا إلا علیه تعالى. إذاً، فهذه العبارة (أی الشکر)، تدلّ على إقرار نابع من قلب الشخص ولسانه، لإمتنان هذا الشخص لله والإعتراف بفضله علیه.

فالشکر والإمتنان لله هما دلیل على العبودیة الصادقة:

یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا کُلُوا مِنْ طَیِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاکُمْ وَاشْکُرُوا لِلَّهِ إِنْ کُنتُمْ إِیَّاهُ تَعْبُدُونَ (سورة البقرة:172)

فَکُلُوا مِمَّا رَزَقَکُمْ اللَّهُ حَلالاً طَیِّباً وَاشْکُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ کُنْتُمْ إِیَّاهُ تَعْبُدُونَ (سورة النحل:114)

کما تظهر لنا هذه الآیات، فإن التوجّه بالشکر لله هو شرط أساسی وبرهان على صدق الإنسان فی عبادته لله تعالى. فهذا التصرّف یدلّ على أن ذلک الشخص مدرک تماماً أن الله هو وحده الرزّاق وأنه على کل شیء وکیل. إن فهم ذلک یعنی أن الشخص یعلم تماماً أن القوة، القدرة، والسلطان لله وحده. إذاً، فإن إیمان هذا الأنسان سلیم، وهذا الشخص یجسّد مثال الإنسان المؤمن والشکور الذی وُصفه الله فی القرآن وأثنى علیه، وهو قد نجح فی تحقیق شرط مهم من شروط الإیمان الصحیح.

أما المشرکون، فهم ینسبون النعم التی یتمتّعون بها إلى الأسباب والآلهة التی إبتدعوها، وضعوا أمالهم فیها، و وجّهوا إمتنانهم إلیها. بإتّخاذهم هذه الآلهة العاجزة، فإنهم یتعامون عن حقیقة أن الله هو خالق هذه الإسباب والجهات التی یألـّهونها، وجعلها تبدو وکأنّها جهات مستقلّة بجعل إعمالها تحدث. فمن الشرک وعدم الإمتنان نسیان الله، التوجه إلى عباده بإعتبارهم یملکون القوة والتأثیر، ثم التوجّه إلیهم بالشکر.

إن ذلک لا یعنی أنّه من الخطأ أن یشکر الناس بعضهم بعضاً، طالما أنهم یذکرون أن الله هو الذی ییسّر لهم هذه الأرزاق، النعم والحاجات، ویتصرّفون وفق هذه القناعة. أما المشرکون فهم یقومون بالتسویات والتنازلات لصالح آلهتهم على حساب الإیمان ورضوان الله تعالى:

إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْکاً إِنَّ الَّذِینَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا یَمْلِکُونَ لَکُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْکُرُوا لَهُ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ (العنکبوت: 17)

بخلاف المشرکین، فإن المؤمنین یشکرون الله وحده ویشعرون بالإمتنان له وحده. فهم یتوجّهون إلیه عندما یحصلون على النعم، یشکروه، ویُدرکون أن ما یحصلون علیه هو من منّ الله علیهم. ولنأخذ کمثل على ذلک عندما جعل تعالى زکریّا کفیلاً على مریم :

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَکَفَّلَهَا زَکَرِیَّا کُلَّمَا دَخَلَ عَلَیْهَا زَکَرِیَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ یَا مَرْیَمُ أَنَّى لَکِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ یَرْزُقُ مَنْ یَشَاءُ بِغَیْرِ حِسَابٍ ( آل عمران: 37)

من الواضح أن مریم (ر) کانت مدرکة أن کل النعم الممنوحة لها کانت من الله. ومثل آخر هو توجّه النبی سلیمان (ع) إلى الله تعالى :

قَالَ یَا أَیُّهَا المَلأ أَیُّکُمْ یَأْتِینِی بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ یَأْتُونِی مُسْلِمِینَ ( النمل: 38-40)

حتّى بعد حصوله على مبتغاه بشکل سریع، فقد توجّه سلیمان فوراً إلى الله وقام شکره أوّلاً بدلاً من الذی أحضر له العرش. وهکذا یجب أن یکون تصرف المؤمنین ، فالّذین ینسون الله یضعون آمالهم فی الوسائل والأسباب معتقدین أن النعم والإرزاق تأتی منها. فإی شخص یفکّر بهذه الطریقة یکون قد جعل الشرکاء لله تعالى.

أن الشرک بالله وتقدیم الشکر له هما عملان متناقضان . یقول الله تعالى عن إبراهیم (ع):

إِنَّ إِبْرَاهِیمَ کَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِیفاً وَلَمْ یَکُنْ مِنَ الْمُشْرِکِینَ (120) شَاکِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِیمٍ (121) ( النحل:121-120)

کما رأینا، فإن الإمتنان یصحبه الإیمان والإخلاص عندما یوجّه نحو الله تعالى، ویصحبه الشرک فی حال وُجّه نحو غیره. إن الشکر على النعم مهم جداً، ولذا، فإن من أهمّ أهداف الشیطان جعل الناس غیر شکورین. یخبرنا القرآن عن ذلک على لسان الشیطان نفسه :

قَالَ فَبِمَا أَغْوَیْتَنِی لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَکَ الْمُسْتَقِیمَ (16) ثُمَّ لآتِیَنَّهُمْ مِنْ بَیْنِ أَیْدِیهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَیْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَکْثَرَهُمْ شَاکِرِینَ (17) ( الأعراف:17-16)

لقد نظرنا حتى الآن إلى بعض المشاعر التی تسوق الناس إلى الشرک. بینما تشکّل تلک أهم المشاعر، فهناک بعض المشاعر الأخرى مثل الحزن، الطیبة، والکراهیة.

فمثلاً، لنتخیّل شخص ما یحزن جداً ویتألم کثیراً بسبب موت إبنه الصغیر أو حیوانه الألیف.هذا الحرن المصحوب بالألم قد یقود هذا الشخص إلى الثمرّد على الله والشرک به.ولکن لو لجأ هذا الشخص إلى المنطق وفکّر بتجرّد من الحزن الشدید والعاطفة، فسیرى الحقیقة بطریقة واضحة وشفّافة. فمن وجهة النظر الإیمانیّة، الموت یشکّل خلاصاً بالنسبة إلى الأطفال، المؤمنین، والحیوانات البریئة، وأنتقال إلى دار الخلود وحیاة رائعة. وهو باب یعبر منه الناس إلى حضرة الله تعالى. أما من وجهة نظر الشیطان وأتباعه، فالموت هو الوقت الذی تنتهی فیه الرغبات والشهوات، والوقت الذی یُفتح فیه باب العذاب الأبدی الموعود. إذاً، فالشیطان یرى الموت على أنّه شیء فظیع ویسعى إلى جعل الآخرین یرونه بنفس الطریقة. وهذا التحلیل صحیح من موقعه، ولکنّه لا ینطبق على المؤمنین الصادقین. فالنسبة لهم فإن الموت یأتی معه الجنّة والسعادة.

متى إستخدم الشخص المنطق وارتقى فوق مشاعره وأحاسیسه، فسیرى الحقائق بوضوح ویتصرّف وِفقاً لها. فالأمور التی تبدو للأشخاص العاطفیین ذوی العقل المشوّش بالغة التعقید، لا حل لها ولا تفسیر، قد تبدو سهلة، واضحة، وبسیطة للمؤمنین. إن الأشخاص الذین جرفتهم مشاعرهم وأحاسیسهم ترکوا المنطق والعقل ورائهم لیکملوا طریقهم نحو العذاب الأبدی بسبب مستنقع الشرک الذی أغرقوا أنفسهم فیه، وتسلیم إرادتهم للشیطان.


أسباب الشرک الرئیسیة

إِنَّ اللّهَ لاَ یَغْفِرُ أَن یُشْرَکَ بِهِ وَیَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِکَ لِمَن یَشَاء وَمَن یُشْرِکْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِیمًا ) النساء 48)




أسباب الشرک الرئیسیة

عاملان أساسیان یقودان الناس إلى الشرک: الجهل العقائدی وعدم الإخلاص. لإجتناب الشرک، فإن على الناس أن یمتلکوا الإیمان المطلوب والکافی وأن یتحاشوا کل أنواع عدم الصدق والإخلاص.

الجهل العقائدی

إن من أهم العوامل التی أطلعنا الله تعالى علیها فیما یتعلق بالقیم الأخلاقیة الدینیة هی الجهل العقائدی:

وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِکِینَ اسْتَجَارَکَ فَأَجِرْهُ حَتَّى یَسْمَعَ کَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِکَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا یَعْلَمُونَ (التوبة 6)

فقط القرآن یحتوی على العلم الأساسی للعقیدة الصحیحة ، لأن ما من کتاب آخر یصف بدقة ماذا یعنی الإیمان بإله واحد الذی هو الله تعالى، یعرف لنا مفهوم الأوثان والآلهة المعبودة من الناس، یشرح لنا الشکل الذی یجب أن یکون علیه الإیمان الصحیح، یفصل لنا التصرف والعقلیة التی ترضی الله، یظهر ضلال الذین انحرفوا نحو الشرک، یفضح خطط الشیطان وخداعه، ویطلعنا على المواقف والتصرفات التی علینا اجتنابها.

على القارئ أن یعی أن هذا العلم ألذی نتکلم عنه هنا لیس مجرد تجمیع للوقائع، لإن " العلم "، کما یعرفه القرآن، هو الذی یؤثر على قلب الأنسان ویستحث قلبه وعقله. فإذا تعلم الناس العلوم المذکورة فی القرآن من دون أن یتفکروا فیها کما یجب، فلا یتوقعوا الحصول على أیة إفادة منها.

تخبرنا عدة آیات عن وحدانیة الله وأن أی شیء سوى الله قد یعتبره الناس إلهاً، هو فی الواقع غیر موجود. وتطلعنا على الشرک، أشکاله المتعددة، وأتباعه. لقد ذکر القرآن هذه الأمور بشکل متکرر ومفصل للتأثیر على الناس وجعلهم یدرکون مدى أهمیة فهم هذه المصطلحات. فالذین لم یقرؤوا ویتفکروا فی القرآن، هم، بحسب القرآن، جاهلین عقائدیاً.

إن موقف هؤلاء شبیه بموقف المجتمعات المشرکة ما قبل الإسلام. هذه المرحلة عُرفت بین العرب المسلمین کونها "مرحلة الجهل العقائدی". أن الذین یرفضون الإسلام، بغض النظر عن متى وأین یعیشون، یُعتبرون جاهلین عقائدیاً. فبما أن القرآن أُوحی منذ 1400 سنة، ونجده الیوم مترجماً إلى أکثر اللغات، فلا یوجد أی سبب أو تبریر لهکذا جهل أو شرک. قد یدعی الناس الإخلاص فی دینهم، ولکن إذا کان إیمانهم مرتکز على الأباطیل والخرافات المتوارثة، فإنهم یبقون على جهلهم هذا لأنهم لا یعیشون حسب قیم القرآن، ولم یفهموا بعد العقیدة بالشکل الصحیح الذی أراده الله لهم:

وَإِذَا قِیلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَیْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ کَانَ آبَاؤُهُمْ لا یَعْلَمُونَ شَیْئاً وَلا یَهْتَدُونَ (المائدة: 104)

لقد قام العدید من الأنبیاء بوصف المشرکین على أنهم قوم جاهلون عقائدیاً:

وَجَاوَزْنَا بِبَنِی إِسْرَائِیلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ یَعْکُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا یَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً کَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّکُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (الأعراف: 138)

وَاذْکُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّی أَخَافُ عَلَیْکُمْ عَذَابَ یَوْمٍ عَظِیمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِکَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ کُنْتَ مِنْ الصَّادِقِینَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُکُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَکِنِّی أَرَاکُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (23) (الأحقاف: 23-21 )

إن مفهوم الجهل الذی ذکر فی الآیة له معنى هام، لأنه لا یشمل فقط عدم العلم، ولکن أیضاً العجز عن فهم الحقائق حتى عندما یراها الشخص و یتعرف إلیها. بنو إسرائیل الذین عرفوا النبی موسى (ع) والتوراة التی أنزلت علیه، والذین شهدوا معاناته مع فرعون، هم خیرمثال على ذلک، فهم اتخذوا آلهة أخرى حتى بعد أن جاءهم العلم. فکان الأمر وکأنهم لم یعلموا شیئاً. والأغرب من ذلک أنهم سألوا موسى (ع) أن یجعل لهم صنماً لیعبدوه. وهذا یظهر لنا أن النجاة من الجهل العقائدی یکمن فی التعلم وأیضاً فی فهم هذا العلم الذی یدخل قلب المرء فیؤثر فیه وینعکس فی أفکاره وتصرفاته.

وهذا هو الخطأ الذی ارتکبه بعض الناس الأوائل الذین انحرفوا إلى الشرک، وخاصة بعض الیهود (ونحن نعتذر هنا من الصادقین منهم ). فمع أنهم کان لدیهم العلم الکافی ومع أنهم درسوه وفقهوه جیداً إلا أنهم أصروا على ضلالهم. ویصف القرآن هؤلاء بالحمار الذی حُمل الأسفار:

{مَثَلُ الَّذِینَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ یَحْمِلُوهَا کَمَثَلِ الْحِمَارِ یَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِینَ کَذَّبُوا بِآیَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ) (الجمعة: 5 )

ویخبرنا القرآن أیضاً.

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ یُؤْمِنُوا لَکُمْ وَقَدْ کَانَ فَرِیقٌ مِنْهُمْ یَسْمَعُونَ کَلامَ اللَّهِ ثُمَّ یُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ یَعْلَمُونَ (البقرة:75 ).

بکلام آخر، فإن امتلاک العلم الربانی لیس کافیاً. فالمرء یحتاج إلى قلب صادق وسلیم، قلب متجذر فیه التقوى والتوقیر لله تعالى، لفهم وتقدیر هذا العلم کما ینبغی.

عدم الصدق

یعرّف القرآن لناعدم الصدق بأنه رفض الإلتزام بالأمور التی ذکرناها سابقاً، حتى بعد تعلمها وفهمها، وذلک بهدف الحفاظ على المصالح الدنیویة. إن الذین یقرأون القرآن ویحکّمون المنطق والعقل یستطیعون أن یفهموا بسهولة أی نوع من التصرفات والفضائل ترضی الله تعالى. فبعد الإطّلاع على هذا العلم، فعلى الشخص أن یلتزم به ویبنی حیاته على أساسه وذلک حسب درجة الصدق لدیه.

أما من کان غیر صادق فإنه سیترک هذه الحقائق من دون أی تردد لتحصیل فوائد ومصالح قلیلة. فبسعیهم وراء رغبات، أطماع، وشهوات الدنیا، فإن هؤلاء یتعدّون الحدود التی وضعها الله لمصلحة الناس. وبتجاهلهم لأوامره ونواهیه، فإنهم یعیشون لهذه الدنیا فقط ویبیعون آخرتهم مقابل لا شیء فعلیاً.

کما رأینا سابقاً، فإن الذین یجعلون لله أنداداً وشرکاء لن یبرؤوا من هذا الإثم العظیم إلا إذا تخلّصوا من هذا المعتقد المنحرف وتابوا بصدقٍ إلى الله. لا یمثل إظهارهم لأکثردرجات التشکیک والتدقیق فی الأمور التی لا تتعارض مع مصالحهم الدنیویة أی فرق. فمثلاً، فإن المحافظة على بعض الواجبات الدینیة قد لا یعود علیهم بأیة فائدة بحال تعمّدوا تجاهل أمر واحد من أوامره تعالى- إذا أهملوا إقامة الصلوات الخمس، مثلاً- فإذا استمروا بسلوک هذا الطریق، فإن ذلک قد یؤدّی إلى انحرافهم إلى الشرک. فبما أنهم ینتقون ویختارون من الدین الأوامرو النواهی التی یرغبون بالإلتزام بها، فإنهم بذلک قد حوّلوا أهوائهم إلى أله یتّبعوه.

وَلَقَدْ أُوحِیَ إِلَیْکَ وَإِلَى الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکَ لَئِنْ أَشْرَکْتَ لَیَحْبَطَنَّ عَمَلُکَ وَلَتَکُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِینَ (65) بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَکُنْ مِنْ الشَّاکِرِینَ (66) (الزمر: 66-65)

کما نرى، فإن عدم الصدق بهذا المعنى لیس محصوراً بهؤلاء البعیدین عن الأخلاقیة الدینیة. فبعض الأشخاص الذین یتحوّلون إلى الشرک بسبب عدم صدقهم یطبّقون المعاییر المزدوجة وفی نفس الوقت یحافظون على الظهور بمظهر الوَرَع. بکلام آخر، فهم یسعون إلى إشباع رغباتهم بإضافة دوافع دینیة إلى حیاتهم. ولکن محاولة إراحة ضمائرهم عن طریق خداع الذات لن تنجح. فهم یتقیّدون بالدین وفق أهوائهم الشخصیة، ولیس وفق أوامر ونواهی الله تعالى، وبذلک ینشأون، ویعیشون طبقاً لهذا الدین الخاص الذی أنشأوه. أما المخلصین فی دینهم، الذین یلتزمون بما أنزل الله عوضاً عن رغباتهم، دوافعهم الخاصة وآرائهم الشخصیة، فهؤلاء یسعون فقط إلى رحمة ورضوان الله. فکونهم عباد مخلصین له، لا یسعهم فعل إلا ذلک. فهم لا یتخیّرون أبداً بین أهوائهم و دینهم.

أما المشرکین، الذین یملکون عقلیّة مختلفة تماماً عن عقلیة المؤمنین، فهم من البدایة غیر مخلصین لله تعالى. مع أنه یعلم ما فی قلوبهم، نیّاتهم، أکاذیبهم، وکل أعمالهم، فإنهم یستمرون فی اتباع طریقتهم الخاصة القائمة على النفاق مع إعتقادهم المنحرف أنه تعالى سیتقبّل أعذارهم الکاذبة. فهم دوماً یقنعون أنفسهم بهذه " الحقیقة "، لأن أغلبهم یردون حین یُسألون، أنهم یستحقون الجنة.

ولکن القرآن یخبرنا شیئاً مختلفاً: إن الذین یتّجهون على علم نحو الشرک، على الرغم من معرفتهم للحقیقة، قد فقدوا القدرة على التحلیل المنطقی. فإذاً لیس هنالک جدوى من توقّع أی منطق أو عقلانیة فی معاییرهم المزدوجة الغیر مفهومة والکاذبة. ولهذا السبب فإننا نرى أن الغفلة وعدم القدرة على تقدیر الله تعالى حق قدره یکمن وراء عدم صدقهم، وبالتالى جعل الأنداد والشرکاء له سبحانه:

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِیعاً قَبْضَتُهُ یَوْمَ الْقِیَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِیَّاتٌ بِیَمِینِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا یُشْرِکُونَ (الزمر: 67)

أن المشرکین المنافقین والغیر صادقین یشکّلون خطر على أنفسهم وعلى الآخرین، لأنهم یدعون هؤلاء إلى اتّباعهم. إن السبیل الوحید للخروج من هذه المشکلة یتمثّل فی إخلاصهم لله وإدراکهم أنه تعالى سوف یتغمّدهم برحمته فی حال تابوا إلیه توبة صادقة. وهذا یتضمّن اللجوء إلى الله بقلب صادق مع تأسیس حیاتهم على رضوانه تعالى، تعلّم الحقائق القرآنیة، وتطبیق ما تعلموا فی حیاتهم. غیر أنهم لن ینجحوا بذلک إلا بحال أسلموا لله بأسرع وقت، بشکل کامل ومن دون أیّة شروط، وحینها یأملون بنیل رحمته تعالى:

قُلْ یَا عِبَادِی الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ (53) وَأَنِیبُوا إِلَى رَبِّکُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَأْتِیَکُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَیْکُمْ مِنْ رَبِّکُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَأْتِیَکُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) (الزمر: 55-53)

صفات المشرکین

إِنَّ اللّهَ لاَ یَغْفِرُ أَن یُشْرَکَ بِهِ وَیَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِکَ لِمَن یَشَاء وَمَن یُشْرِکْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِیمًا ) النساء 48)



صفات المشرکین

إحدى الصفات الرئیسیة فی مجتمعات المشرکین هی التعصب الدینی، الذی یعرفه القرآن بأن بحصر الشخص حیاته وینظمها حسب مبادىْ، أوامر، ونواهی من صنع الإنسان، ولا ترتکز على أی أدلة عقلانیة صحیحة أو منطقیة.فی حالة الدین، فإن هذا المصطلح یشیر إلى الذین یستبدلون تعالیم الدین الصحیحة ویستبدلونها بأحکام ومبادئ مرتکزة على الظن والتخمین. وقد یُنسب هذا التصرف فی بعض الأحیان بطریقة خاطئة إلى المسلمین الملتزمین، مع أنه فی الحقیقة یصف المشرکین الذین یتبعون قوانینهم، شروطهم الخاصة والإباحات والتحریمات التی جاءت بها أدیانهم المشوهة، و إدعاءهم بأنهم یتـبعون الدین الصحیح. فی الواقع، فإن التعصب هو العامل الأساسی الذی یشجع المشرکین على تبنی هذا الدین الذی تملأه الخرافات. فشهوات الدنیا تمیل بصاحبها نحو التعصب وصفات سلبیة أخرى.

قد یجد المشرکون أن العیش مع هذه العصبیة والدفاع عنها أکثر إغراء لهم من إلتزام الطریق القویم. فهم یستمدون متعة خاصة نتیجة اتباعهم لهذه التعالیم التی تکون أحیاناً صوفیة، غامضة وملغزة ، وهذا، فی الواقع، من الأسباب الأساسیة لضلال العدید من الیهود منذ زمن النبی موسى (ع). فبعض الیهود المحافظین یظهرون الیوم بمظهر الإخلاص والتقوى- ونحن نعتذر من الذین هم فعلاً هکذا- هم فی الواقع ملتزمون بدقة بالشرائع الدینیة التی قاموا بتأسیسها بأنفسهم. غیر أن هذا الدین لیس الدین الصحیح الذی أنزله الله، وهؤلاء لا یمارسونه لنیل رضوانه ولکن للحصول على الشهوات المستمدة من العیش وفقاً لتعصب الشخص فی المحافظة على ما هو قدیم ومتوارث.

یملأ المشرکون أدیانهم المبنیة على العصبیة بالرموز، العادات، والطقوس الغریبة. ونتیجة لذلک، یصبحون یعرفون من حولهم علىأنهم أشخاص أتقیاء وعلى درجة عالیة من التقوى والإخلاص لله تعالى، ویصبحون مع الوقت یتمتعون بمکانة مرموقة فی مجتمعهم. غیر أن هذا التعصب فی الواقع لیس سوى نظام اسسوه لإرضاء أنفسهم، لأن، ولسبب ما، فإن جوهر وحقیقة دین الله، أو، للتوضیح أکثر، محتویاته والنظام الذی یقوم علیه لیس کافیاً لهم. هم لا یتقبلون واقع أن الإسلام دین یسر یرتکز على الوضوح و المنطق. فهم یشعرون بالراحة فقط لو کان الإسلام فیه "عسر"، لأن ذلک سیتیح لهم إستعراض "تقواهم" للناس الآخرین. إن عدم ارتیاحهم لواقع أنه یکفی أن یرى الله وحده أعمالهم، یجعلهم یفضلون إتباع دین قام بتأسیسه البشر، مما یتیح للناس الآخرین أن یراقبوا ویعلقوا على "تقواهم وإلتزامهم".

ولکن بخلاف مشرکی ما قبل الإسلام الذی کانوا ینتمون إلى الأدیان المنزلة قبل الإسلام، فإن هؤلاء المشرکین المتأخرین لیس بمقدورهم تغییر ولو کلمة واحدة من القرآن، الکتاب الأخیر الذی أنزله الله تعالى. لقد أنبأنا نبینا (ص) أنه لن یُنزل أی کتاب من بعده، ولن یأتی أی دین آخر، وأن القرآن یصلح حتى یوم القیامة. لقد قام الله وسیقوم بحفظ القرآن. إذاً، فمن أراد بصدق أن یتعلم ما هو الإسلام، وما هی متطلباته، بطریقة واضحة ومفصلة، یستطیع ذلک بأن یتخذ من القرآن الکریم والسنة النبویة الشریفة قدوة له.

المشرکون، فی المقابل، یدافعون عن معتقداتهم الباطلة التی تصد الناس عن القرآن. کما تخبرنا آیة من القرآن، فإنهم یقولون الباطل مرتکزین على تخمیناتهم وظنونهم. بإضمارهم مختلف الفرضیات بما یتعلّق بالله، فإنهم دوماً فی حالة من عدم الأمان والغم. وأحیاناً، فإنهم یحاولون استرجاع ثقتهم بأنفسهم وتصمیمهم بواسطة العدوان، السخریة، الإستهزاء وعدم الإکتراث برأی الغیر.

وفی الوقت نفسه، فهم جاهلون عقائدیاً و روحیاً، فحتى لو قرؤا وحفظوا کتباً لا تحصى، فهم لن یتنوروا بالقرآن الکریم ولن یعرفوا الله کما یجب، لأنه تعالى عرف عن نفسه فقط فی القرآن الکریم. هکذا أشخاص یعبدون إلهاً مختلفاً جداً، إلهاً صنعه البشر وهو یرتکز على دینهم الباطل. فجهلهم وغیاب منطقهم ینعکس بالتالى على کل ما یفعلون. بعجزهم عن فهم القرآن فإن جهلهم العقائدی، غیاب عقلهم، ومنطقهم الناقص یسبب لهم باستمرار الإحراج أمام الأشخاص الآخرین. بما أنهم مخلصین لدین باطل ومتناقض، فهم لا یستطیعون أن یدافعوا عن دینهم بشکل منطقی.

هؤلاء لا یتوجهون مباشرة إلى الله أو یقیمون علاقة قریبة معه لأن قلوبهم قاسیة ولا یشعرون بأی قرب أو إخلاص له تعالى. الإسلام على ألسنتهم، ولکن لیس فی قلوبهم. فهم یجعلون الوسطاء للوصول إلى الله، یعتبرون إرضائهم والحصول على موافقتهم کافیین، ویظنون أن هؤلاء قادرون على مساعدتهم. غیر أن جمیع هؤلاء الوسطاء فی الواقع یبعدوهم أکثر فأکثر عن الله ویزیدون من شرکهم:

وَیَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا یَضُرُّهُمْ وَلا یَنْفَعُهُمْ وَیَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا یَعْلَمُ فِی السَّمَوَاتِ وَلا فِی الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا یُشْرِکُونَ (18) (یونس 18)

إن واقع کونهم بعیدین عن الله یعنی أنهم أیضاً بعیدین عن قیمه الأخلاقیة. بما أنهم لا یقرأون القرآن، أو أنهم یقرأونه فقط بخلفیة شرکیة تمنعهم من فهمه بالطریقة الصحیحة، فإنهم یُحرمون من البرکات، العلم، القیم الأخلاقیة الرائعة، والفضائل الروحیة التی یقدمها للمؤمنین. لا یستطیع المشرکون رؤیة مناقبه الفضیلة، لأن ما یستهویهم أکثر هو کل أنواع الفجور واللا أخلاقیة والخداع. عدا عن ذلک، فهم مستعدون لکبت ضمائرهم وتعدی الحدود التی وضعها الله للبشریة لتبریر مواقفهم عندما یجدون أنفسهم فی مواقف صعبة أو عندما تتعارض رغباتهم وشهواتهم مع الإسلام .

صفة أخرى من صفات هؤلاء هی البخل. تطلعنا آیة فی القرآن الکریم أن المؤمنین یستخدمون ما زاد عن حاجتهم من المال للإهتمام بالآخرین.أما المشرکون فی المقابل، فإنهم لاینفقون إلا القلیل- وحتى ذلک، فإنهم یفعلونه للریاء. إن تکدیس الممتلکات و الثروات یشکل واحدة من أهم نزواتهم. فی الحقیقة، فإن ذلک أحب إلیهم بکثیر من الإنفاق فی سبیل الله. بما أنهم یفتقدون الإیمان الحقیقی، وبالتالى لیس لدیهم ثقة فی الله أو خضوع له، فهم یخافون دائماً مما یخبئه المستقبل لهم.

یسثمر المشرکون باستمرار فی مستقبلهم. بالتأکید، فإن هذا العمل لا شیء فیه. غیر أنه لا یجب أن یتحول إلى شغف مستهلکاً لصاحبه، لأن هکذا موقف یبرهن عن غیاب الخضوع الحقیقی لله تعالى وأیضاً عن نقص فی إیمان الشخص وإدراکه أن الله هو الرازق الوحید.

زیادة على ذلک، یتصف المشرکون بالحسد، الطمع، الأنانیة، وعدة رذائل أخرى. بما أن لیس لدیهم حس حقیقی للجمال أو الفن، فهم یتصرفون بخشونة مع الآخرین ویحاولون إظهار ذلک على أنه دلیل على تفوّقهم وقربهم من الله. وهم أیضاً یسیطر علیهم الخوف، ولا یعلمون سبب ذلک:

بَلْ اللَّهُ مَوْلاکُمْ وَهُوَ خَیْرُ النَّاصِرِینَ (150) سَنُلْقِی فِی قُلُوبِ الَّذِینَ کَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَکُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ یُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِینَ (151) (آل عمران:151)

علاوة على ذلک، فهم متشائمین و لیسوا سعداء، فالمشاکل، الصعوبات، المصائب، والأحزان لا تترکهم. وهذا (فی الدنیا) بدایة العذاب والخزی الذی سیلاقونه فی الآخرة. وعدا عن ذلک، فهم ثائرون على الله عن غیر وعی، لأنهم یرفضون التخلی عن دینهم الباطل، الذی یدعون أنهم یمارسونه بإسمه، والذی بنوا علیه أسالیب معیشتهم، ترکیبات أسَرِهم، محیطهم، وعلاقاتهم الإجتماعیة والمهنیة. ولهذا، فهم لا یناسبهم هجرة أسالیبهم القدیمة.

إن إحدى أهم صفات المشرکین هی " إنما المشرکون نجسُ " (التوبة: 28). وهذا مؤشر على أنهم نَجسین جسدیاً وروحیاً. فإن أجسادهم، ثیابهم ومحیطهم قد تبلغ من الوساخة بحیث تصبح تعرض صحتهم للخطر. بما أن عاداتهم الغذائیة مبنیة على الخرافات والتعالیم البشریة، فإنه یظهر عندهم فی بعض الأحیان خلل جسدى أو معنوی بسبب غذائهم الغیر متوازن.

صحتهم الفکریة هی أیضاً لیست بخیر، فطریقة عیشهم السلبیة والغیر صحیة تؤثر على نموهم الذهنی وأدائهم العقلی. وهذا ینطبق على مقدرة الحکم على الأمور أیضاً، التی تجعل خطابهم وتصرفهم غیر متوازنَین، متناقضین، وبعیدین عن المنطق. کونهم عرضة لتقلب المزاج، فإنهم قد تتملکهم الإثارة فجأة، فیختبرون تقلب سریع فی المزاج من الیأس إلى العدائیة، أو یتکلمون بطریقة غیر مریحة، بصوت عال، وبنبرة غیر متوازنة.

إن کل هذه الصفات تتسبب بإبعاد الناس عی الدین. بإعتقادهم أنهم یخدمون القیم الأخلاقیة الدینیة وأنهم یحاربون الإلحاد، فإنهم فی الواقع یتسببون للدین بأذى أکبر من الأذى الذی الذی یتسبب به الملحدون. فی الحقیقة، فإنهم غیر مدرکون أن أعمالهم الکثیرة هذه تؤثر سلباً على الدین الصحیح:

وَمَنْ یَعْشُ عَنْ ذِکْرِ الرَّحْمَنِ نُقَیِّضْ لَهُ شَیْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِینٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَیَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِیلِ وَیَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) (الزخرف 37-36)

عندما یخبرهم أحد بذلک، فإنهم إما یعجزون عن، أو یرفضون فهم هذا الأمر لأنهم لیسوا صادقین فی الأمور التی تختص بالدین. حتى لو قرأوا کتب ومقالات عن هذا الموضوع، فأنهم سیبقون غیر مدرکین لواقع أنهم لا یتعاملون بالطریقة المباشرة والصحیحة مع هذا الموضوع. ولو أنهم أدرکوا ذلک، لادعوا العکس. حتى ولو کانت کل هذه الأوصاف تنطبق علیهم حرفیاً، فسیبقون على رفضهم لهذا الأمر ویبحثون عن الشرک فی مکان أخر.

أما بالنسبة إلى هؤلاء الذین هم صادقین فی دینهم ولکنهم یقعون بعض الأحیان فی سوء الفهم لقصر علمهم وجهلهم فی بعض أمور الدین، فإنهم یستطیعون دوماً أن یعتمدوا على ضمائرهم لتصحیح سوء الفهم لدیهم وتعلم الأمور بالطریقة الصحیحة. فإذ أنابوا ورجعوا إلى الطریق الصحیح، فإن الله إن شاء یقبل توبتهم إن کانوا صادقین فی ذلک. إن الأشخاص الذین ینضمون إلى المشرکین على جهلٍ بالحقائق والذین لیس لدیهم صفات الشرک الحقیقیة، فهؤلاء یرجى لهم أن یعودوا إلى الصراط المستقیم بسبب صدقهم ونیتهم الطیبة. إن هدفاً من أهداف الکتاب هو الوصول إلى هکذا أشخاص وتمکینهم من معرفة أخطائهم، لجعلهم مدرکین للظلمة التی تحیط بهم، ولحثهم على التوبة والدخول فی دین الله تعالى.

إذا لم یرفع الله الغشاء عن أعین، آذان وقلب الأنسان فإنه لا یتوقع لهذا الشخص أن یستیقظ ضمیره، وأن یصل هذا النجاة والخلاص. إن السبب وراء فشل شخص ما فی الوصول إلى الحقیقة، والإعتقاد أن هذا الأمر لا یعنیه، بالرغم من قراءته لهذا الکتاب، هو معجزة من معجزات الله. أما فی وضع طبیعی، فإن النتیجة المرجوة هی أن ینجو هذا الشخص. یجب أن لا ننسى أن القلوب بین یدی الله وهو الذی یهدی من یتقرب إلیه بإخلاص، یتوب، یدرک خطأه، ویطلب النجاة فقط منه تعالى. فعلى المرء إذاً أن یحذر من الوقوع فی الشرک، وأفضل طریقة لفعل ذلک هی أن یدرک الشخص من البدایة أن الله موجود وماذا یعنی ذلک، ثم أن یراجع معتقدات مجتمعه، وکذلک معتقداته الشخصیة، ونظرته إلى الإسلام. لیس من العیب أن یعترف المرء بأخطاءه ویقوم بتصحیحها. بل عل العکس من ذلک، فإن هذا یدل على الصدق، وهو دلیل على تقوى المرء وتوقیره لله تعالى.

کما رأینا حتى الآن، فإن الإعراض عن القرآن والسنة والإلتزام بالمذاهب الضالة والمنحرفة، الممارسات، والمعتقدات الباطلة، یقود الشخص إلى التناقض والشرک عوضاً عن الطریق القویم. لهذا السبب، فإن الحل الوحید هو التمسک بهدی السنة و هدی القرآن.