X
تبلیغات
رایتل
الإسلام العربی
دعوة إلی الحقیقة
 

والنتیجة: أنّ کل الکائنات الحیة تتحرک بواسطة إلهام إلهی.

کما ذکرنا فی الصفحات السابقة واجه دعاة نظریة التطور إشکالیات کبیرة تتعلق بتفسیر سلوک الحیوانات فی حین أنّ الحقیقة واضحة جلیة وهی عدم استطاعة الکائن الحی غیر العاقل أن یقوم بتمییز الفروق الواضحة أو أن یقوم بالربط بین الوقائع أو اتخاذ قرار صحیح, فضلا عن عدم قدرته على التخطیط لعدة مراحل مقبلة إلى جانب أشیاء أخرى تتطلب عقلا وتفکیرا و إدراکا. ویقول دعاة التطور إنّ هذه الکائنات الحیة مبرمجة على أداء هذه الأعمال، إذن من هو الذی وضع هذا البرنامج ؟ و ما هی القوة التی تجعل نحل العسل یفرز الشمع الخاص لبناء الخلیة ؟ والجواب واضح ودقیق، والإنسان الذی لدیه علم بطریقة معیشة الأحیاء ولوعلم بسیط یستطیع أن یتوصل إلى عدم إمکانیة تولد هذه الأنماط السلوکیة من تلقاء نفسها أو محض الصدفة بل الواضح أن هناک قوة تحکم هذه الطبیعة وتدیرها ولها تأثیر مباشر على سلوک الکائنات الحیة. وصاحب هذه القوة بلا شک هو الله الخلاق العلیم. و نظریة تعجز أن تفسر کیفیة خلق الکائن الحی لابد لها أن تقف عاجزة أمام تفسیر سلوک ذلک الکائن الحی ومصدره. لذا فإجراء الأبحاث حول سلوک الکائنات الحیة له أهمیة قصوى بلا شک لأن هذه الأبحاث تثبت أنه لا یوجد کائن حیّ یعیش جزافا أو دون ضابط، فالله سبحانه وتعالى وحده هو الذی یقوم بخلق الکائن الحی من العدم ویدبر أموره ویراقبه فی کل حین وینظم له سلوکه بقدرته, ربّ السماوات والأرض وما بینهما، وهذه الحقیقة وردت فی القرآن الحکیم . یقول الله تعالى فی کتابه الکریم:" إنی توکلت على الله ربی وربکم ما من دابة إلاّ هو آخذ بناصیتها إنّ ربی على صراط مستقیم ". سورة هود الآیة 56.

روح التضحیة لدى الکائنات الحیة تفنّد ادعاء داروین بأن البقاء للأقوى

مثلما أسلفنا القول فی الصفحات السابقة فإن الأمر حسب ادعاء داروین یعتمد على قانون الانتخاب الطبیعی, أی أنّ الکائنات الحیة التی تستطیع أن تتکیف مع شروط الوسط الذی تعیش فیه تستطیع مواصلة حیاتها والحفاظ على نسلها, و أمّا الکائنات الضعیفة التی لا تستطیع التکیف مع تلک الشروط فهی معرضة للهلاک والفناء، و بناء على هذا یکون التعریف المنطقی للطبیعة وفقا لقانون الانتخاب الطبیعی لـداروین هو المکان الذی تقوم فیه الکائنات الحیة بکفاح مریر فیما بینها من أجل البقاء فیبقى القوی و یفنى الضعیف.

واستنادا إلى هذا التعریف ینبغی على کل کائن حی أن یکون قویا ومتمیزا بالقوة عن الآخرین فی سبیل الکفاح والبقاء. و فی وسط مثل هذا لا یمکن الحدیث عن بعض المیزات مثل الإیثار والتضحیة والتکافل, فهذه المیزات قد تصبح ذات آثار سلبیة على الکائن الحی نفسه. ویتمیز الکائن الحی وفقا لهذا المنطق بمنتهى الأنانیة ولا همّ له سوى البحث عن الغذاء وإنشاء البیت الذی یؤویه وأن یحمی نفسه من خطر الأعداء.

و لکن هل صحیح أن الطبیعة هی المکان الذی یضمّ کائنات حیة تخوض فما بینها صراعا مریرا للقضاء على بعضها البعض بمنتهى الوحشیة والأنانیة ؟. إن الأبحاث الجاریة بهذا الشأن حتى یومنا هذا قد أبطلت ادّعاءات دعاة التطور. فالطبیعة لیست کما زعم هؤلاء من أنها تمثل ساحة للحرب بین الأحیاء، إنّ الطبیعة على خلاف ذلک تحوی بین جیناتها أمثلة حیة للتضحیة بالنفس فی سبیل الآخرین. وهناک أمثلة لا یمکن حصرها تکشف صورا غایة فی التضحیة من أجل الغیر تملأ أرکان الطبیعة ویذکر جمال یلدرم فی کتابه "التطرف وقانون التطور ".

إن الأسباب التی جعلت داروین وغیره من رجالات العلم فی عصره یصورون الطبیعة على أنها تمثل مسرحا للحرب بین الأحیاء یمکن إجمالها فی النقاط التالیة: کان رجال العلم فی القرن التاسع عشر یقبعون فی مختبراتهم أو أماکن عملهم لمدة طویلة ولا یدرسون الطبیعة میدانیا و لهذا ذهب خیالهم ببساطة إلى الاستسلام لفکرة کون الکائنات الحیة فی حالة حرب صامتة فیما بینها، وعالم فذ مثل هالی Haley لم یستطع إنقاذ نفسه من براثن هذا الوهم (16).

أما العالم بتر کروبوتکین Peter Kropotkin الذی یؤمن أیضا بنظریة التطور فیذکر فی کتابه Mutual Aid:A Factor in Evolution أو " الهدف المشترک : العامل المؤثر فی التطور " الخطأ الذی وقع فیه داروین و مؤیدوه قائلا : داروین و مؤیدوه عرّفوا الطبیعة على أنها مکان تخوض فیه الکائنات الحیة حروبا مستمرة بین بعضها البعض. و یصور هاکسلی Haxley عالم الحیوان باعتباره حلبة مصارعة تقوم فیه الحیوانات بصراع مریر فیما بینها و تکون الغلبة من بینها للذکی والسریع وهو الذی یستطیع العیش لیبدأ فی الیوم التالی صراعا جدیدا وهکذا. و یتبین لنا منذ الوهلة الأولى أن وجهة نظر هکسلی بشأن الطبیعة لیست علمیة ….(17).

وهذا الوضع یعتبر شاهدا على عدم استناد نظریة التطور إلى ملاحظات علمیة، ویغلب على العلماء من دعاة هذه النظریة التزمت الفکری فی دعمهم للنظریة التی یؤمنون بها من خلال تحلیل بعض الظواهر الموجودة فی الطبیعة وفقا لهواهم. والحقیقة أن الحرب التی یدعی داروین أنّها تنتشر فی أرجاء الطبیعة تبین أنها خطأ کبیر لأننا لا نجد فی الطبیعة الأحیاء التی تکافح من أجل البقاء فقط بل نجد أیضا کائنات حیة تبذل تعاونا ملحوظا نحو الکائنات الحیة الأخرى, والأعجب من هذا أنها تؤثرها أحیانا على نفسها. ولهذا السبب یعجز دعاة التطور عن تفسیر ظواهر الإیثار لدى بعض الکائنات الحیة. و ورد فی مقال صادرة فی إحدى المجلات العلمیة النص التالی الذی یصور عجز هؤلاء: " المشکلة تکمن فی السبب الذی من أجله تتعاون الکائنات الحیة، وبالنسبة إلى نظریة داروین فهی تقول إنه ینبغی على کل کائن حی أن یکافح من أجل البقاء والتکاثر، ومعاونة باقی الکائنات الحیة یقلل من فرص نجاح ذلک الکائن الحی فی البقاء وعلى هذا الأساس ینبغی أن یزال هذا النمط السلوکی عبر التطور، ولکن الملاحظ أن الإیثار لا یزال موجودا فی سلوک الکائنات الحیة (18).

وأبسط مثال على الإیثار هو سلوک عاملات النحل فإنها تقوم بلسع أی حیوان یدخل إلى خلیتها وهی تعلم یقینا أنها ستموت، فإبرتها اللاسعة تبقى مغروزة فی الجسم الذی تلسعه و نظرا لارتباط هذه الإبرة الوثیق بالأعضاء الداخلیة للحشرة فإنها تسحب معها هذه الأعضاء خارجا متسببة فی موت النحلة. ویتضح من ذلک أنّ النحلة العاملة تضحی بحیاتها من أجل سلامة باقی أفراد الخلیة .

أمّا ذکر البطریق و أنثاه فیقومان بحراسة عشهما حتى الموت، فالذکر یسهر على رعایة الفرخ الجدید بین ساقیه طیلة أربعة أشهر متصلة دون انقطاع، ولا یستطیع طیلة هذه الفترة أن یتناول شیئا من الغذاء أماّ الأنثى فتذهب إلى البحر لتجلب الغذاء و هی تجمعه فی بلعومها وتأتی به إلى فرخها ویبدیان تفانیا ملحوظا من أجل فرخهما .

و یعرف عن التمساح کنه من الحیوانات المتوحشة إلا أنّ الرعایة التی یولیها لأبنائه تثیر الحیرة الشدیدة, فعندما تخرج التماسیح الصغیرة بعد فقس البیض تقوم الأم بجمعها فی فمها حتى تصل بها إلى الماء ثم تعکف على رعایتها وتحملها فی فمها أو على ظهرها حتى تکبر و یشتد عودها و تصبح قادرة على مواجهة المصاعب بنفسها، وعندما تشعر التماسیح الصغیرة بأی خطر سرعان ما تلوذ بالفرار ملتجئة إلى فم أمّها و هو الملجأ الأمین بالنسبة ألیها. إن هذا السلوک یثیر الاستغراب خاصة إذا علمنا أن التماسیح حیوانات متوحشة والمنتظر منها أن تأکل أبناءها و تلتهمهم لا أن ترعاهم و تحمیهم..

وهناک بعض الأمهات من الحیوانات تترک القطیع الذی تعیش فیه لترضع أولادها, فتتخلف الأم مع ولدها و تضل ترضعه حتى یشبع عن معرّضة حیاتها لخطر جسیم. والمعروف عن الحیوانات أنها تهتم بأولادها الذین ولدوا حدیثا أو الذین خرجوا من البیض لمدد طویلة تصل إلى أیام أو أشهر أوحتّى بضع سنین فتوفر هذه الحیوانات لصغارها الغذاء والمسکن والدفء و تقوم بالدفاع عنهم من خطر الأعداء المفترسین. وأغلب أنواع الطیور یقوم بتغذیة صغاره من 4-20 مرة فی الساعة خلال الیوم الواحد, أماّ إناث اللبان فأمرها مختلف إذ یتحتم علیها أن تتغذى جیدا عندما ترضع صغارها حتى توفر لهم اللبن الکافی, وطیلة هذه الفترة یزداد الرضیع وزنا بینما تفقد الأم من وزنها بشکل ملحوظ.

أما الطبیعی و المتوقع فی هذه الحالات فهو أن تهمل هذه الحیوانات غیر العاقلة صغارها و تترکها و شأنها لأن هذه الحیوانات غیر العاقلة لا تفهم معنى الأمومة أو العطف و لکنها بالعکس من ذلک تتحمل مسؤولیة رعایتها و الدفاع عنها بشکل عجیب.

و لا تقوم الأحیاء باتخاذ مثل هذا السلوک مع صغارها فقط وإنما قد تبدی العطف نفسه والحنان نفسه إزاء الحیوانات الأخرى أو الأفراد الأخرى التی تعیش معها فی المجموعات نفسها، و یمکن ملاحظة ذلک عندما تشح مصادر الغذاء, فالمتوقع فی مثل هذه الحالات العصیبة أن ینطلق القوی منها لیبید الضعیف ویستحوذ على ما یوجد من الغذاء، غیر أنّ الذی یحدث هو عکس ما یتوقعه دعاة التطور. و یورد کروبوتکین و هو معروف بتأییده لهذه النظریة أمثلة عدیدة تتعلق بهذا الموضوع منها مثلا: یبدأ النمل بتناول ما ادخره عندما تشحّ مصادر الغذاء بینما تبدأ الطیور بالهجرة بشکل جماعی إلى مکان آخر, کما تتوجه القنادس الشابة إلى الشمال والکبیرة فی السن إلى جنوب الأنهار حیث تعیش هناک مزدحمة (19).

والذی یفهم من هذه الأمثلة أنه لا وجود لمنافسة أو مزاحمة بین الحیوانات من أجل الغذاء بل بالعکس یمکن مشاهدة أمثلة عدیدة للتعاون والتضحیة بین الحیوانات حتى فی أقسى الظروف. و هی تعمل فی أحیان کثیرة على التخفیف من وطأة الظروف و قسوتها. و مع هذا فهناک مسألة یجب أخذها بعین الإعتبار وهی أن أیّا من هذه الحیوانات لا تملک عقلا أو فکرا یجعلها تتخذ هذه القرارات وتنشئ هذا النظام. إذن فکیف یمکن تفسیر تجمع هذه الحیوانات فی مجموعات ذات هدف واحد وتعمل مجتمعة لتحقیق هذا الهدف المشترک؟.

بلا شک إن الذی خلق هذه الأحیاء وألهمها اتباع ما ینفعها والذی یحافظ علیها هو الله رب العالمین جلّت قرته . و یقول الله سبحانه وتعالى فی کتابه المبین عن کیفیة رعایته الإلهیة للکائنات "و ما من دابة فی الأرض إلاّ على الله رزقها و یعلم مستقرها و مستودعها کلّ فی کتاب مبین ". سورة هود الآیة 6

أمام هذه الحقائق فی الطبیعة تسقط ادعاءات دعاة التطور عن کون الطبیعة مسرحا للحرب لا ینتصر فیها إلا من کان أنانیا و من لا یرى سوى مصالحه فقط ویوجهJohn Maynard Smith أحد دعاة التطور المشهورین سؤالا لأقرانه فی الفکر یتعلق بهذا النوع من السلوک لدى الحیوانات: إذا کان الانتخاب الطبیعی یعنی اختیار الصفات الصالحة للکائن الحی والتی تضمن له بقاءه وتکاثره فکیف یمکن لنا أن نفسر صفة التضحیة لدى بعض الحیوانات ؟ (20)



بازدید : مرتبه
 
آمار وبلاگ
تعداد بازدیدکنندگان: 24876