X
تبلیغات
رایتل
الإسلام العربی
دعوة إلی الحقیقة
 

الأسباب التی تمنع من إدراک الخیر فی الوقائع

 

 

نسیان أن هذه الحیاة هی مجرد امتحان

 

 یعتقد البعض أن  الکثیر من أمور حیاتهم خاضع للمصادفة. ولکن التفکیر بهذه الطریقة لیس بواقعی أو منطقی. إن کل ما فی هذه الحیاة, بما فیها ظهور مرض السرطان مثلا أو التعرض إلى حادث طریق, ومن الطعام الذی یتناوله أحدنا إلى الملابس التی یرتدیها, کلها أمور قد سبق وأن کان علمها عند الله تعالى. وکما ذکرنا ذلک أکثر من مرة فی أثناء هذا الکتاب, فإن کل تلک الأحداث, بکل تفاصیلها, خلقها الله تعالى لیمتحن بها الإنسان.

ومن هنا، وعند هذه النقطة یظهر جلیا ذالک الاختلاف الجوهری بین المؤمنین وغیر المؤمنین. فالمؤمنون لدیهم منظور مختلف جدا لما یحدث لهم وللعالم من حولهم. ومنظورهم هذا ینسجم تماما مع أوامر القرآن الکریم، أی فی رؤیتهم لکل حدث على أنه جزء من امتحان. و من ثم, مدرکین بکونهم تحت الاختبار, فالمؤمنون یکافحون لیقودوا أنفسهم على طریق کسب رضى الله تعالى.

إن الناس الذین یبقون على ما هم علیه من عدم الاکتراث للحقائق التی کشفها الإسلام, واضعین لأنفسهم أهدافا واهمة عدیدة؛ مثل أن یلتحقوا بکلیة مرموقة, أو یحظوا بزواج سعید, واجتیاز أبنائهم للمراحل الدراسیة, وتحسین أوضاعهم المعیشیة, وإحرازهم المکانة العالیة فی المجتمع ...  إن کل تلک الأهداف لدیها قاسم مشترک واحد وهو أنها کلها أمانی ورغبات متعلقة بهذه الدنیا فقط. إنّ خطط وطموح هؤلاء الذین یجعلون من تلک الأهداف غایتهم الوحیدة فی حیاتهم محدود بذلک المنظور السطحی الضحل. هذا لأن الغالبیة من الناس ینحصر اهتمامهم فی فهم هذه الدنیا ومزید إدارک کنهها. والواقع  أن هذا التفکیر غیر سلیم. فحتى وإن حقق أحدهم جمیع الأهداف التی و ضعها لنفسه, فحیاته فی النهایة محکومة بالموت والفناء. و بالتالی, حیاة تجعل الدنیا منطلقها وغایتها الأولى تکون تافهة ولا معنى لها.

إنّ من یتبنى طریقة الحیاة تلک لن ینال أبدا ما یرغب فیه. فهذا قانون الله الثابت الذی لا یتغیر؛ لا شیء على هذه الأرض مستثنى من العطب. لاشیء على هذه الأرض مستثنى من عوامل الزمن.  فالثمرة مثلا تأخذ فی الذبول منذ اللحظة التی تقطف فیها من الغصن، إلى أن تبلى. وذاک البیت الذی بنی بعنایة فائقة یصبح فی مع مرور السنین والأیام غیر قابل للسکن. والأهم من ذلک, أن جسم الإنسان أیضا معرض لعوامل الزمن المتلفة. وکل إنسان منا لا بد وأن ینتبه إلى مؤثرات الزمن فی جسمه. فالشعر یشتعل فیه الشیب, وتضعف الأعضاء, وتتجعد البشرة، إضافة إلى علامات أخرى کثیرة تشیرة إلى قرب النهایة وحتمیتها.

    إلى جانب لهرم, فإن حیاة الإنسان, التی نادرا ما تمتد إلى أکثر من سبعة عقود, قد تنتهی فجأة ودون سابق إنذار؛ فإن حوادث غیر متوقعة, کحادث طریق مثلا, أو مرض عضال, قد یودی فی أیة لحظة بحیاة الإنسان. وکما قلنا فی الجزء السابق, مهما حاول الإنسان أن یناضل لیتجنب فکرة الموت, فه سوف یقابل أخیرا تلک النهایة المحتومة التی لا مفر منها. سواء أکان إنسانا مشهورا أو فتاة جمیلة, فلیس هناک من هو محصن من الموت . فلا الثروة و لا المال و لا الأولاد و لا الأصدقاء, ولا أی شیء فی الدنیا یمکن أن یمنع مخالب الموت من أن تمتد إلیه, قال تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِی تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِیکُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَیْبِ وَ الشَّهَادَةِ فَیُنَبِّئؤُکُمْ بِمَا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (سورة الجمعة: 8)

إن المقصود مما سبق، وکون الحیاة فی هذه الدنیا زائلة وفانیة أن یوجه الإنسان کل طاقاته للحیاة من أجل الفوز بالحیاة الآخرة. قال تعالى: (فَمَا أُوتِیتُمْ مِنْ شَیْءٍ فَمَتَاعُ الْحَیَاةِ الدُّنْیَا وَ مَا عِنْدَ اللهِ خَیْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِینَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ یَتَوَکَّلُونَ) (سورة الشورى:36).

إذا ما أخذنا بعین الاعتبار حقیقة زوال هذه الدنیا وأن الإنسان معرض للموت, فهذا یقودنا  لموضوع علینا جمیعا أن نتأمّل فیه ملیا؛ وهو الهدف من خلق الإنسان على هذه الأرض. والله تعالى یضع هذا الهدف جلیا فی الآیة التالیة, قال تعالى: (الَّذِی خَلَقَ الْمَوْتَ وَالحَیَاةَ لِیَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِیزُ الغَفُورُ) (سورة الملک: 2).

فی کثیر من آیات القرآن الکریم, یبین الله سبحانه وتعالى أن الإنسان خلق لیکون عبدا لخالقه. کما أنه تم التأکید أیضا على أن الحیاة الدنیا هی امتحان لیمیز به الله الخبیث من الطیب، قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضَ زِینَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَیُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (سورة الکهف: 7).

ولأن حیاة الإنسان کاملة هی حلقة فی اختبار عام, فلا شیء مما یحصل للإنسان یکون عرضیا أو غیر مقصود. ومن الخطإ الکبیر الاعتقاد بأن الأحداث التی تقع إنما تحدث على نحو عبثی، فلا شیء یحدث بمعزل عن حکمة الله وتدبیره وتقدیره. فکل ما یقع من أحداث فی مسار هذه الحیاة, ابتلاءات وضعها الله تعالى لیختبره بها. والإنسان بدوره یعتبر مسؤولا عن ردود فعله وسلوکه فی خضم هذه الإبتلاءات. فالطریقة التی یقود بها نفسه, والخلق الذی یبدیه ویثبت علیه, تحدد ثوابه أو عقابه فی الحیاة الآخرة.

      لاشیء – سواء کانت التجربة عظیمة أو بسیطة- یحدث عرضیا, وکل ما یحصل لنا فی حیاتنا هی أحداث کتبت لنا فی قدرنا, وهی کلها حقائق على الإنسان أن یتذکرها دائما. وإذا ما حرص الفرد على تذکر تلک الحقائق, فإنه لن ینسى أبدا أن کل ما یقابله فی الحیاة هو فی النهایة خیر له. أی بمفهوم آخر, إن ما یقابله ویتعرض له هو فقط ما أراده الله تعالى له. ومن هنا نخلص إلى أنه من المهم جدا تذکر أن هذه الدنیا هی دار اختبار من خلالها یقتضی علینا رؤیة الخیر والأهداف الإلهیة لهذه الحیاة.

 

لا یحمل الله تعالى إنسانا فوق طاقته

إن الله تعالى یضع کل إنسان فی محن متفاوتة ذات أحداث متنوعة عدیدة. ولکن, وجب القول أنه تعالى ذو العدل المطلق وأنه عفو عن عباده لأنه هو ”الحلیم“؛ فهو تعالى لن یُحمل أحدا أکثر من طاقته. وهذا هو وعده تعالى ولن یخلف الله عهده, قال تعالى: (وَلاَ نُکَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَ لَدَیْنَا کِتَابٌ یَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ یُظْلَمُونَ) ( سورة المؤمنون: 62).

وقال تعالى: (وَ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُکَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُولَئِکَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِیهَا خَالِدُونَ) سورة الأعراف: 42).

إن الأمراض والحوادث وکل أشکال الآلام والأحزان, وکل أنواع المحن الأخرى التی قد تعترض الإنسان فی هذه الحیاة الدنیا, تقع فی دائرة قدرة الشخص على فهمها. لکن إذا ما اختار الإنسان  التمرد والجحود وسلوک الطباع الشیطانیة بدلا من التمسک بأخلاق القرآن العظیمة, مثل الصبر وغیر ذلک فهو الذی یتحمل المسؤولیة على ذلک.

فی بعض الأحیان قد یشعر الإنسان أنه استنفذ کل السبل المتاحة للتغلب على مشکلة ما, فلا یرى منفذا من الوضع الذی هو فیه. وقصوره أیضا فی تذکر وجود الخیر فی مثل ذلک الحدث, قد یدفعه إلى یصبح عاصیا متمردا. وهذه مشاعر فاسدة ألقى بها الشیطان فی نفسه. فعلى المؤمن المخلص مهما واجه فی حیاته أن یبقى مدرکا لحقیقة أنه فی وضع یستطیع معه أن یقود نفسه بأخلاق فاضلة وبکل صبر. أما إذا داخلته الوساوس والشکوک فعلیه أن یفهم أن ذلک من عمل الشیطان. فالله تعالى یأمر عباده بأن لا  یقنطوا، قال تعالى : (أَوَ لَمْ یَعْلَمُوا أَنَّ الله یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَ یَقْدِرُ إِنَّ فِی ذَلِکَ لآیَاتٍ لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ * قُلْ یَا عِبَادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ الله یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِیمُ * وَ أَنِیبُوا إِلَى رَبِّکُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَأْتِیَکُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ) (سورة الزمر:52-54).  

   والإنسان الذی یلتزم بما أمره الله تعالى, یعلم تمام العلم أن الحسن لا یأتی إلا بالحسن؛ وبالمقابل فالإنسان الذی یقنط سیکون وحیدا فی هذه الدنیا لا مخرج له مما هو فیه. والله تعالى یعلمنا أن هؤلاء الذین یقنطون من رحمته تعالى هم فی الحقیقة, غیر مؤمنین: (وَ الَّذِینَ کَفَرُوا بِآیَاتِ اللهِ وَ لِقَائِهِ أُولَئِکَ یَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِی وَ أُولَئِکَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ ) (سورة العنکبوت: 23).

وقال تعالى : (وَ لاَ تَیْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله إِنَّهُ لاَ یَیْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الکَافِرُونَ) (سورة یوسف : 87).

وتطبیقا لأمر الله تعالى, على المسلم أن لا ییأس أبدا, بل یجتهد لیحرز فهما أعمق لکل ما یدور حوله من خلال التفکر والتأمل. وعندما یقابل المؤمن عقبة, فهی ترشده للنظر إلى الخیر الذی یکمن وراءها؛ وعلى المؤمن أن یکون شجاعا صبورا حنونا مخلصا ورعا محبا باذلا نفسه. أی بمعنى آخر, إنها لحظات من الزمن من خلالها, یظهر المؤمن ثقته بالله وتوکله علیه. وعندما یدرک أن أخلاقه تلک سوف تجعله یفوز بالجنة بفضل من الله  تعالى, فإن ذلک سیمنحه مصدرا إضافیا للسعادة والسرور.

فالإنسان الذی امتحن فی الدنیا وتحمل الصعاب بحزم وثبات, یشعر بقیمة أکبر للنعم التی تعطى له فی الجنة, وبالتالی, ینعم بها بلذة أعمق. ومن المهم التذکر أن الذی لم یمر بالعسر لن یستطیع تقدیر الیسر؛ وحتى لو فعل ذلک, فهو لن یشعر أبدا به بذاک العمق الذی یشعر به من قاسى وتحمل المصاعب. وبالتالی, فکل ما یعانیه المؤمن فی هذه الدنیا سیکون له سببا للسعادة فی الآخرة.

والمهم أن یکون الإنسان صبورا حکیما عاقلا متوازنا متسامحا عطوفا، وبإیجاز متحلیا بصفات المؤمن النبیلة. فهی الأخلاق هی التی تجلب له سعادة استثنائیة لا تأتی إلا من الإیمان. ثم یکون جزاؤه بإذن الله تعالى, سعادة أخرى دائمة فی الآخرة.

 

    أیما مصیبة تصیب الإنسان فهی  فمن نفسه

    إنّ الذین یکونون بعیدین عن التمسک بالخلق القرآنی عادة ما یشترکون فی سمة أخلاقیة معینة، فعندما تسیر أمورهم حسبما یریدون, یعتقدون أن ذلک من أنفسهم ویصابون بالغرور. ولکن، عندما تحدث لهم مصیبة, فهم على الفور یبحثون عن جهة ما لیلقوا علیها اللوم. ولکن, الله تعالى هو العادل, وکما تشیر إلى ذلک الآیة الکریمة التالیة, فالإنسان هو المسؤول فی النهایة عن کل ما یصیبه من مصائب، قال تعالى: (مَا أَصَابَکَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَکَ مِنْ سَیّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِکَ وَ أَرْسَلْنَاکَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَ کَفَى بِاللهِ شَهِیدًا) (النساء: 79).

ویمدنا القرآن الکریم بأمثلة کثیرة لیبین لنا ذلک الأسلوب المنحرف الذی ینظر به الکافرون إلى کل ما یحصل لهم.

ففی سورة الأعراف یخبرنا الله تعالى أن فرعون و من والاه  عزوا ما حصل لهم من شرّ إلى موسى علیه السلام و أتباعه. بینما هم أنفسهم کانوا مصدر الشر والخبث: ( فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَیِّئَةٌ یَطَّیَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلاَ إِنَّمَا طَائِرُهُم عِنْدَ اللهِ وَ لَکِنَّ أَکْثَرَهُمْ لاَ یَعْلَمُونَ)  (سورة الأعراف: 131).

وکما یوحی لنا المثال السابق, فهؤلاء البعیدون عن خلق القرآن یبحثون عن أحد ما لیلقوا علیه الوزر ویتجاهلون زلاتهم وعیوبهم، ویحاولون أن یتهموا الصالحین بالسوء والشر. بینما- ومثلما ینبهنا الله تعالى فی الآیة السابقة - هم أنفسهم  المسؤولون عن السوء. وکان هؤلاء ینظرون إلى الشر على أنه خیر و إلى الخیر على أنه شر, إذن فلیس لدیهم إلا أنفسهم لیلوموها. 

سوء الفهم للقدر

یسعى الإنسان طوال حیاته فی التخطیط لمستقبله ولرسم أهداف بعضها بعیدة وبعضها الآخر قریبة. وفی بعض الأوقات, تسیر تلک الخطط کما هو مخطط لها. و لکن, فی أوقات أخرى, قد تتعثر بسبب تطورات غیر متوقعة. و هؤلاء البعیدون عن تعالیم الإسلام یعزون تلک العوائق للمصادفات، بینما فی الحقیقة, لیس هناک شیء اسمه مصادفة. أی إنّ کل ما یقابله الإنسان من أحداث فی هذه الحیاة قد قدره الله تعالى له فی قدره. وهذه الحقیقة جلیة فی قوله تعالى: (یُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ...) (سورة السجدة: 5).  وقال تعالى: (إِنَّا کُلَّ شَیْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (سورة القمر: 49).

فمن الممکن للإنسان أن یفکر تفکیرا خاطئا خلال مسار یومه فیعتقد أنه یفعل فقط ما یخططه لنفسه. بینما الحقیقة أنه یطاوع القدر المحدد له من الله تعالى. فحتى لو اعتقد إنسان ما أنه قد تدخل فی وضع وغیر بالتالی مسار قدره, فهو فی الواقع لا یزال مجددا یتحرک فی لحظة أخرى قد سبق وقدرت له فی قدره. لا شیء من لحظات حیاتنا یحدث خارج إطار القدر. فقد یصاب إنسان بغیبوبة ویموت بسببها على الفور لأن الموت قد قدر له فی ذلک الوقت. والآخر یتعافى بعد شهور بینما الحالة نفسها، وهذا أیضا قدره قد أخر وفاته.

بالنسبة إلى الإنسان الذی لم یع بحق أهمیة القدر, کل الأحداث بالنسبة إلیه هی حصیلة حادثة ما أو مصادفة عبثیة. فهو یعتقد بشکل خاطىء ان کل شیء فی الکون یتحرک مستقلا عن بعضه البعض. وهذا ما یفسر موقفه عندما یصاب بفاجعة, فهو یشیر إلیها مباشرة بکونها "مشؤومة".

فالکائن البشری محدود فی حُکمه وقدرته على التمییز؛ ذلک أنه حبیس الزّمان والمکان. ومن جانب آخر فکل ما یقع للإنسان بلا استثناء قد رتبه الله تعالى, مالک "الحکمة المطلقة" الذی هو سبحانه غیر محدود بزمان أو مکان.        

  قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِیبَةٍ فِی الأَرْضِ وَ لاَ فِی أَنْفُسِکُمْ إِلاَّ فِی کِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِکَ عَلَى اللهِ یَسِیرٌ) (سورة الحدید: 22).

    و بالتالی, فکل ما یتوجب على الإنسان عمله هو أن خضع نفسه للقدر المرسوم له من خالقه, مدرکا أن کل شیء سیرجع بالخیر فی النهایة. وفی الحقیقة, إن هؤلاء ذوی الإیمان الصادق یقضون کل لحظة من حیاتهم بالاعتراف والتسلیم لحقیقة أن کل ما یحدث إنما هو جزء من قدرهم, وأن ذلک الحدث أو الأمر ما وضع إلا لسبب. فهم دائما منتفعون من تلک النظرة الإیجابیة, و فی النهایة سیجدون هذا الخیر. ولقد أوصى الله بهذا الخلق النبیل والإذعان الخالص التام فی قوله تعالى: (قُلْ لَنْ یُصِیبَنَا إِلاَّ مَا کَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَ عَلَى الله فَلْیَتَوَکَّل الْمُؤْمِنُونَ) ( سورة التوبة:51).

وسواء کان الأمر خیرا أم شرا فإنّ الإنسان لن یستطیع أبدا أن یمنع حدوثه وقد قدر وقوعه من قبل. و إذا ما رأى الخیر فی کل ما یحدث, فعندئذ سوف ینتفع کامل حیاته وإلا فهو لن یجنی سوى الندم والأذى لنفسه. إن اللّوعة والتمرد والجحود لن یغیروا من القدر شیئا. فمسؤولیة الإنسان فی هذه الحیاة تتمثل فی الاستسلام والإذعان لعدل الله المطلق وللقدر الذی وضعه تعالى له, وأن ینظر إلى کل الوقائع على أن الخیر فیها على کل حال, وبذلک یستقبل قدره بخضوع واطمئنان.

 

اجتهاد الشیطان لمنع الإنسان من إدراک الخیر

یخبرنا الله تعالى فی القرآن الکریم أن الشیطان جاحد عاص. ومثلما نبهنا القرآن فالشیطان یحاول بکل السبل إزاحة الإنسلن عن طرق الخیر وإردائه فی مهالک الشر والفساد. ولعل من أکثر الطرق التی یستغلها الشیطان هی إعاقته عن رؤیة مواطن الخیر فی الأحوال والأحداث. وهو یعتمد هذا السبیل لیقنطه من ربه ویلقی به فی ظلمات المعصیة والجهل والجحود.

إن الذین یفشلون فی فهم جمال الخلق القرآنی, هم هؤلاء البعیدون عن تعالیم الإسلام الذین یقضون حیاتهم فی الجری خلف أهداف تافهة, وهم غافلون عن الیوم الآخر. وهؤلاء معرضون لوساوس الشیطان وهمزاته.

إنّ الشیطان یطرب لضعف الإنسان، فیهمس له بالحیل المضللة ؛ فیدعوه للتمرد على الله تعالى وعلى القدر. فمثلا, قد لا یجد أحدنا صعوبة فی تذکیر جاره الذی ألم به حادث سیر بحقیقة أنّ ذلک یشکل جزءا من قدره. بینما قد یعجز فی النظر إلى الموقف نفسه هذه النظرة الواعیة عندما یتعلق الامر به هو نفسه أو أحد من أسرته. ومن خلال  تأثیر الشیطان, سیجد أنه من السهل تبنی سلوک متمرد. هذا لأن على الواحد منا أن یدرّب قلبه حتى یستطیع أن یکافح لیرى الخیر فی الأحداث, ویبدی إذعانه ویضع کامل ثقته فی الله تعالى. وأما الفشل فی إقناع الضمیر والقلب بذلک فهو قد یقود إلى اتباع سلوک منحرف تائه.

    إنّ جهود الشیطان لإعاقة الإنسان عن رؤیة الخیر یمکن التعرف علیها فی کل الظروف بأشکالها المختلفة. ووسوسته أیضا تمنع البعض من رؤیة الخیر فیما یقومون به من أعمال. فالشیطان مثلا یسعى جهده لیغرس فی النفس الخوف من الفقر عند من یعزمون على الإنفاق من أموالهم فی سبیل اللهن وقد قال الله تعالى فی هذا الموقف: (الشَّیْطَانُ یَعِدُکُمْ الفَقْرَ وَ یَأْمُرُکُمْ بِالفَحْشَاءِ وَ اللهُ یَعِدُکُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَ الله وَاسِعٌ عَلِیمٌ) (سورة البقرة :268).

لکن فی واقع الأمر فإن کل تلک المشاعر والأحاسیس هی إلا مشاعر عقیمة لأن خطط الشیطان تلک الملیئة بالغدر لن تستطیع بأی وسیلة التأثیر على المؤمن الصادق, حیث أن هدف المؤمن من الإنفاق لیس لمنفعة فی الدنیا ولا لإرضاء نفسه, بل إن هدفه الأسمى هو کسب رضى الله تعالى ورحمته و الفوز بالجنة. و لهذا السبب, فالشیطان لا یستطیع أن یضلل المؤمنین بتطلعات عقیمة بلا فائدة. وقد جاء فی القرآن الکریم أن الشیطان لن یستطیع فرض تأثیره على المؤمنین: (وَ إِمَّا یَنْزَغَنَّکَ مِنَ الشَّیْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ *إِنَّ الَّذِینَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّیْطَانِ تَذَکَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (سورة الأعراف :200-201).

علینا أن نفهم أن الشیطان یستخدم أسلوبین لإعاقة الإنسان عن الإقبال على أعمال الخیر. أولهما, أنه یناضل لیوقف عملا طیبا نافعا ویصور الجری وراء المنافع الدنیویة على أنها الهدف الوحید فی الحیاة. وأما ثانیهما , فهو یجتهد بکل ما أوتی من قوة لیعیق الناس عن إدراک الخیر وفهم الخیر الکامن فی الأحداث خاصة عندما یصاب الإنسان بمحنة, فهو یصورها على أنها "شر", ویغویه لیتخذ سلوکا متمردا تجاه الله تعالى.

إن نعم الله التی أسبغها على الإنسان لا تحصى، فمنذ لحظة ولادته وهو محاط بعنایة الله وفضائله، منها ما بدا ومنها ما خفی. ولهذا فإن المؤمنین الذین یتخذون من خالقهم فقط حافظا یتوکلون علیه ویضعون کامل ثقتهم به, وعندما یصابون بحدث ظاهره شرّ یصبرون لأنهم  یدرکون أن وراءه الخیر حتى وإن لم یستطیعوا أن یتبینوا الغایة الإلهیة فی الحال. ومهما أصابهم من أحداث فهم أبدا لن یتذمروا أو یعصوا، فهم یثقون جیدا أن الحدث الذی یبدو فی ظاهره سیئا سوف یتمخض فی النهایة عن الخیر. وقد یتبین لهم بفضل الله تعالى أنّ تلک الأحداث التی عاشوها کانت تمثل نقطة تحول کبرى فی حیاتهم کلها وهی التی سوف تنجیهم عند الله فی الآخرة.

 



بازدید : مرتبه
 
آمار وبلاگ
تعداد بازدیدکنندگان: 24876