X
تبلیغات
رایتل
الإسلام العربی
دعوة إلی الحقیقة
 

الأعشاش المبنیة للصغار والمجهزة بجمیع وسائل الرّاحة

هناک دور کبیر للمنازل والأعشاش التی تبنیها الحیوانات فی رعایة وتنشئة الصغار، وهناک أسالیب مختلفة باختلاف أنواع الحیوانات فی طریقة إنشاء هذه الأعشاش بتفاصیل تقنیة باهرة، وفی أحیان کثیرة تتصرف الحیوانات مثل مهندس معماری بارع، وتعمل على شاکلة بنّاء ماهر فی عمله، وتجد حلاّ لکل مشکلة قد تواجهها أثناء البناء تماما مثل المهندس ومثل أخصائی فی الدیکور حیث تقوم بتوفیر ما یلزم لداخل العش، وفی أحیان کثیرة أخرى تعمل هذه الحیوانات لیل نهار للإعداد لهذه الأعشاش، وإذا کان لهذه الحیوانات أزواجا فتقوم بتوزیع الادوار و التعاون فی صورة مثیرة للإعجاب. ومن أکثر الأعشاش والمنازل التی یعتنى بها عنایة خاصة من قبل البالغین هی التی تنشأ لاستقبال الصغار الجدد . والتقنیة التی تستخدمها هذه الکائنات غیر العاقلة تثیر الإعجاب و الدهشة فی آن واحد، ویتضح ذلک من خلال الأمثلة التی سنوردها فی الصفحات القادمة , و سیتضح کذلک أن هذه الأعشاش والمنازل لا یمکن أن تنشأ اعتمادا على الذکاء المتواضع لهذه الحیوانات، و من الجدیر بالذکر أن هذه الحیوانات، تخطط وتخطو مراحل متعددة قبل الشروع فی بناء أعشاشها أو منازلها لوضع بیضها أو ولادة صغارها، کذلک تختار هذه الحیوانات المکان الأمثل والأکثر أمنا لإنشائها, فهذه الحیوانات لا تنشئ منازلها عبثا و أینما اتفق. وطریقة بناء العش أو المسکن یتم اختیاره من قبل الحیوان أو الطیر وفقا للمواد الأولیة المتوفرة وظروف البیئة الخارجیة، فمثلا تستخدم الطیور البحریة الأعشاب البحریة التی تطفوا على سطح الماء وتقاوم الأمواج فی بناء أعشاشها، أمّا الطیور التی تعیش فی مناطق الأعشاب الطویلة فتنشئ أعشاشا عمیقة و واسعة لتفادی السقوط عند هبوب الریاح، والطیور الصّحراویة تبنی أعشاشها على قمم النباتات التی تمتاز بانخفاض درجة حرارتها أقل بعشر درجات عن درجة المحیط، وإلاّ فإنّ درجة حرارة الیابسة تربو على 45ْ وهی تؤدی حتما إلى موت الأجنة الموجودة داخل البیض .

و یتطلب اختیار المکان المناسب لبناء العش ذکاء ومعرفة واسعة، إلاّ أن هذه المخلوقات لا تستطیع أن تتوقع مدى الضرر الذی سیلحق بمنازلها بتأثیر الأمواج العاتیة أو درجة الحرارة العالیة للبیئة الصحراویة. والظاهر للعیان أن هناک مخلوقات غیر عاقلة ولا منطق لها إلا أنها تسلک سلوکا عاقلا و منطقیا، وبمعنى آخر مخلوقة على هذه الصورة الکاملة، والکمال فی الخلق لا یوجد إلا لله وحده .

ویحظى الصّغار بعد فقس البیض أو لحظة الولادة بعنایة بالغة، ویقضی الکبار من الحیوانات أو الطیور وقتا کبیرا فی الحفاظ على حیاة الأبناء ولا تکتفی فی ذلک ببناء المنازل وإنمّا تبنی أعشاشا وهمیة لمجرد التمویه بهدف لفت الانتباه إلى هذه الأعشاش الوهمیة حفاظا على حیاة الصغار من خطر الأعداء. و لا شک أن هذا النمط السلوکی لیس من بناة أفکار الحیوان و لانابعا من ذکائه. وهناک أسلوب آخر للتمویه تستخدمه الحیوانات وهو بناء الأعشاش بین أغصان الأشجار الکثیفة الأوراق أو فوق النباتات الشوکیة، وبعض أنواع الحیوانات تنشئ لها أوکارا خاصة تبیض فیها وترقد على بیضها وتقوم بإنشاء جدار خاص لمدخل هذا الوکر باستخدام الطین الموجود فی البیئة الخارجیة وإذا لم یوجد تقوم بإفراز سائل خاص تخلطه مع کمیة من التراب لإعداد الطین اللازم لإنشاء هذا الجدار الواقی.

وأغلب أنواع الطیور تبنی أعشاشها غریبة الشکل باستخدام ألیاف النباتات أو الأعشاب والحشائش البریة المتوفرة فی البیئة، والجدیر بالذکر أن الطیر الّذی سیبیض لأول مرة فی حیاته یبنی عشه بإتقان بالغ دون أن یکون له سابق معرفة أو خبرة ببناء الأعشاش .

بلا شک أن هذه القابلیات الفذة للکائنات الحیة لم تشکل من تلقاء ذاتها، إذن ما هی القدرة التی علّمت هذه الطیور والکائنات الحیة بناء منازلها بهذه الکیفیة المدهشة ؟ کیف تکتسب الکائنات الحیة هذه القابلیة مرة واحدة ؟ .

و هناک أمر آخر یحسن الإطلاع علیه و یتعلق بقابلیات الکائنات الحیة وهو کون الکائن الحی على علم تام بکیفیة بناء العش أو المسکن بالکیفیة الخاصة بنوعه والمتمیز بها عن الأنواع الأخرى اعتبارا من أول لحظة له فی هذه الحیاة، وکل نوع من أنواع الحیوانات یبنی منزله بالکیفیة نفسها فی أیة منطقة من مناطق العالم, وهذا دلیل واضح على أن هناک قوة واحدة تمنح هذه المخلوقات القابلیة والمعرفة الخاصة بالحیاة. بلا شک إنّ صاحب هذه القوة التی لا حد لها والعلم الّذی وسع کل شئ هو الله سبحانه وتعالى الّذی یلهم مخلوقاته ویمنحها هذه القابلیات الفذة. واللافت للنظر عند دراسة کیفیة بناء الحیوانات لمنازلها لیس فقط التخطیط البارع وإنما التضحیة والتعاون اللّذین یبدیهما کل من الذکر والأنثى فی البناء، وعلى سبیل المثال تنشئ الطیور أعشاشها الخاصة بها بکل اعتناء واهتمام ولا تکتفی بذلک بل تنشئ أعشاشا أخرى کجهد إضافی للتمویه (28).

ولو تمعّنا فی عملیة إنشاء الطیور لأعشاشها لأدرکنا مدى الصعوبات التی تلاقیها والجهد الظخم الذی تبذله والتفانی الذی تبدیه فی سبیل إتمام بناء هذه الأعشاش. فالطیر الواحد یقوم بعدة مئات من رحلات الطیران فی سبیل إنشاء عش للتمویه فقط فما بالک بالجهد اللازم لبناء العش الحقیقی، والطیر لا یستطیع أن یحمل فی منقاره سوى قطعة أو قطعتین من المواد اللازمة لبناء العش من أغصان أو غیرها، ولکن هذا الأمر لا یثیر فی الطیر الشعور بالملل و إنما بالعکس من ذلک یثابر على العمل بکل صبر ،وإذا شعر بتعب أو إرهاق لا یترک العمل ولا یترک ما فی منقاره ولا یهمل أی تفصیل من التفاصیل اللازمة لبناء العش. وحسب ادعاء داروین, فی قانون الانتخاب الطبیعی لا تفکر الکائنات الحیة إلا فی نفسها و بمنتهى الأنانیة. ولو کان الوسط الذی تعیش فیه مسرحا للحرب کما یدعی هو ومؤیدوه لما قامت هذه الکائنات الحیة ببذل هذا الجهد الظخم والمثیر للإعجاب فی سبیل الحفاظ على الکائنات الصغیرة الضعیفة؟ هذه الأسئلة و غیرها یحتار القانون الطبیعی لداروین فی الإجابة علیها وتعجز أمامها نظریة التطور وادعاءات الملحدین. والجواب الوحید على کل هذه الأسئلة هو أنّ الله وحده منح هذه المخلوقات صفات التضحیة والصبر والثبات والمثابرة والعزم فیلهمها هذه الصفات لیحمی القوی منها الضعیف ولیستمر التوازن فی الطبیعة ولیستمر نسل الکائنات ولتکون هذه البنوراما الطبیعیة دلیلا حیا وملموسا على قدرة الله عز وجل أمام جحود بنی آدم.

فی الصفحات القادمة سترد أمثلة على قابلیة الکائنات الحیة على التخطیط المعماری و ألقیام بالدیکور خصوصا الطیور التی یحتاج صغارها وبیضها إلى عنایة فائقة فی أعشاشها، لذا یلهمها الله سبحانه وتعالى کل ما تحتاجه ویتلاءم مع عملیة بناء الأعشاش.



بازدید : مرتبه
 
آمار وبلاگ
تعداد بازدیدکنندگان: 24876