X
تبلیغات
رایتل
الإسلام العربی
دعوة إلی الحقیقة
 
1390/01/15 :: 02:19 ب.ظ :: نویسنده : .

إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ ألله الإِسْـلاَمُ (سورة آل عمران: 19)




معتقدات البوذیة الباطلة

تختلف معتقدات البوذیة الباطلة بدرجة کبیرة من بلد لآخر، حیث أنّ هذه الدیانة قد امتزجت خلال الـ 2500 عاما الماضیة مع مختلف الدیانات المحلیة والعادات والثقافات الأصلیة للبلدان التی انتشرت فیها. والیوم فالبوذیة التی تمارس فی الیابان والصین والتبت وسری لانکا وفیتنام وأمریکا کلّها تختلف عن بعضها البعض اختلافا کبیرًا.

هنالک مصادر تاریخیة تبین أنّ بوذا کان یختار دائما الحدیث عن أساسیات مبادئه والقیام بعبادته بشکل شفاهی. وبعد بحوث امتدت لقرون تقرّر أنّ بوذا لم یخلّف نصوصًا مکتوبة، ویؤیّد البوذیون مقولة أنّ مواعظ بوذا نقلت شفاهة من جیل إلى جیل لمدة 400 عام، حتى تمّ جمعها فیما یعرف بـ"بـالی کانون" أو "حکمة بالی". غیر أنّ معظم الدارسین یعتقدون بأن غالبیة هذه الکلمات لیست کلمات بوذا، وإنما أضیفت عبر القرون المتطاولة حتى تحقق شکلها الحالی. وبالتالی فإنّ البوذیة التی لا تعتمد على أیّ نصوص مکتوبة مرت بتغییرات عدیدة وتشویهات عبر الزمن بواسطة الإضافة والنقصان.

والیوم فإنّ کتاب البوذیة المکتوب بلغة بـالی یسمى "التبتاکا" والتى تعنی "السـلة الثلاثیة"، ولا یُعرف على وجه الیقین متى کتبت "التبتاکا"، ولکنّ من المعتقد أنها اکتسبت شکلها الحالی فی سری لانکا فى وقت ما خلال القرن الأول قبل المیلاد. وتنقسم نصوصها إلى الأبواب التالیة:

1- فنایا بیتاکا: ویعنی هذا الباب "سلة التأدیب"، وهو یحتوی على قواعد تخصّ الرّهبان والراهبات، وکیف یتم اتباعهم. کما یتضمن بعض المسائل التى تخصّ القرّاء العادیین من غیر الرّهبان والراهبات.

2- سوتا بیتاکا: وأکثر هذا القسم یتکون من أحادیث شرح فیها بوذا أفکاره، ولهذا السّبب سمّی هذا الباب "سلة الحدیث". وقد تمّ تناقل کلماته تلک عبر القرون لـتختلط بالأساطیر الأخرى والمعتقدات الکاذبة.

3- أبهیداما بیتاکا: ویتضمن هذا الباب فلسفة البوذی وتفاسیر لمواعظ بوذا.

والیوم فکهنة البوذیة یقدّسون هذه النصوص ویتعبدون بها وینظمون حیاتهم طبقا لما جاء فیها، ویصوّرون بوذا على أنه إله حقیقی (تعالى الله عما یصفون!). ولهذا السبب فالبوذی المعاصر یرکع أمام تماثیله ویقدم لها موائد الطعام والورود، وهو بذلک یتوقع أن تنصره. وهذه ممارسة لا تخضع لأیّ منطق. وبالطّبع فکلّ من یعتقد أنّ تماثیل الحجر أو البرونـز یمکن أن تسمع أو تساعد فهومغفل. وسوف نتناول لاحقا فی هذا الکتاب طقوس الکفر الأساسیة بتفصیل أکثر لنرى کیف صارت البوذیة مذهبًا سرّیا یرّکز على البشر، دون أیّ اهتمام بالتّساؤل الکبیر: کیف یعمل نسق الکون البدیع نـاهیـک، عــن طرح التساؤل حـول: کیف وُجد الکون؟

البوذیة دین إلحاد

إنّ فلسفة البوذیـة تنکر وجود الله، ولکن تؤسس ذاتها على جوانب قلیلة من أخلاق البشر وعلى إله "إزارا" من آلالام هذا العالم. وبدون أی سند فکری أو علمی فهی تنبنی على مفهومین متلازمین هما ما یسمى بـالکرما (العاقبة الأخلاقیة) والتناسخ، وهی فکرة أنّ البشر تعاد ولادتهم دوما فى هذا العالم، وأنّ حیاتهم اللاحقة یحدّدها سلوکهم فی حیاتهم الأولى. ولا یوجد شیء مکتوب فى البوذیة یتحدث عن وجود خالق، أو على الأقل یبیّن کیف وجد الکون والعالم والأحیاء. لا یوجد نص بوذی یصف لنا کیف خُلق الکون من العدم أو کیف وجدت الأحیاء أو کیف یمکن تفسیر المظاهر الموجودة فی کل مکان من هذا العالم والتی تمثل دلیلا على خلق لیس له نظیر. ووفقا للوهم البوذیّ لیس من الضروری التفکیر فى هذه الأمور. وکما تزعم نصوص بوذا فإنّ أهم شیء فى الحیاة هو کبح الشّهوات وتبجیل بوذا والتخلص من الآلام، وبالتالی فإنّ البوذیة کعقیدة تعانی من نظرة ضیقة تحجب معتنقیها عن بحث هذه الأسئلة الأساسیة مثل: من أین جاء العالم, وکیف وجد الکون وجمیع المخلوقات. والحقیقة أنّها تمنعهم من مجرّد التفکیر فى هذه الأشیاء وتحصرهم فى قالب ضیق من حیاتهم الآنیة.

َلَهُمْ أَرْجُلٌ یَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَیْدٍ یَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْیُنٌ یُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ یَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَکَاءکُمْ ثُمَّ کِیدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ (7:195)

دیانة قهر واستعباد

إنّ محاولـة البوذیة إلغاء کلّ الرغبات البشریة یمثل جانبا آخر من فلسفتها الضیقة. لقد خلق الله تعالى کثیرا من النعم فی هذا العالم لفائدة البشر ومتعتهم، ولذلک فیتعین علیهم شکره. ولهذا السبب لم یأمر القرآن البشر بکبت رغباتهم أو لتحمل الألم والمعاناة، وعلى العکس من ذلک فإنّه یوجب علیهم أن ینتفعوا بالجوانب الجمیلة فی الوجود (بعیدًا عن أیّ سلوک غیر مشروع) وأن لا یحرموا أنفسهم دون سبب، أو یؤذوا أنفسهم. ولهذا السبب فقد وضح الله تعالى بأنّ النبى صلى الله علیه وسلم قد حرر أتباعه من القیود:

(الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الأُمِّیَّ الَّذِی یَجِدُونَهُ مَکْتُوباً عِندَهُمْ فِی التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِیلِ یَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنکَرِ وَیُحِلُّ لَهُمُ الطَّیِّبَاتِ وَیُحَرِّمُ عَلَیْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَیَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِی کَانَتْ عَلَیْهِمْ فَالَّذِینَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِیَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (سورة الأعراف: 157).

وباختصار فالإسلام دین محرِّر وقد دعا الناس إلى تجنب العادات التی لا فائدة من منها والابتعاد عما نهى عنه، وخلّصهم من الضغوط الاجتماعیة والمخاوف بشأن ما قد یفکرون فیه، وهو بالمقابل یدعوهم إلى اتباع حیاة هادئة مسالمة لنیل رضى الله تعالى. لذا فالنبی صلى الله علیه وسلم نصحنا فی عدد من أحادیثه بأن لا نعسر على أنفسنا فی الدین، من ذلک قوله: "یسّرُوا ولا تعسّروا وبشّرُوا ولا تُنفّروا".

أما البوذیـة فهی تعزل الناس فى الأدیرة القاتمة وتجبرهم على حیاة البؤس والفقر، ومن الغریب أنها لا تشجّع على تناول الغذاء الجیّد ولا تشجع على النظافة والراحة- وهی نعم خلقها خلقها الله للبشر- بل تدعو معتنقیها لتحمّل المعاناة کقدر، وتنصحهم بالعیش فى بؤس وشضف.

وبوذا یرى أن حیاة الرهبان والراهبات ملیئة بکل صنوف الصّعوبات، وهم ممنوعون من العمل أو التملک وملزمون بإطعام أنفسهم بطرق أبواب النّاس وسؤالهم، وهم یحملون أوعیتهم فى أیدیهم. حتى إنّ الناس، بسبب هذا السلوک یسمون رهبان البوذیة هیکس (الشحّاذ). ورهبان البوذیّة ممنوعون من الزّواج أو العیش فی أی شکل من أشکال الأسرة، ولا یحقّ لهم أن یملکوا سوى إزار واحد یلبسونه، وینبغی أن یکون حقیرا ذا لون أصفر أو أحمر.

وبالإضافة إلى ذلک الإزار فإنّ مقتنیاتهم الأخرى تتمثل فی سریر خشن للنّوم، وموسى لحلاقة رأوسهم مع صندوق خیاطة للاستعمال وقنینة ماء ووعاء لاستخدامه فی الشّحذ. وهم یأکلون وجبة واحدة فى الیوم تتکون عموما من الخبز والأرز، ویشربون إمّا الماء العادی أو ماء الأرز. وعلیهم تناولها کوجبة

قبل المساء، ولا یسمح لهم بأکل أیّ شیء حتى حلول الیوم التالی. وتمنع عنهم أنواع الطعام الأخرى وحتى الأدویة تعتبر من الکمالیات. وقد یأکل الراهب وجبة سمک أو خضار فقط إذا کان مریضًا وبإذن من راهب آخر ذو مرتبة أعلى. فالقیود إذن على البوذیّ تمثل شکلا من أشکال تعذیب النّفس.

إنّ ذلک الوضـع یمثـّل تجسیما للحقیقة التى وردت فی القرآن الکریم فی قوله تعالى:

(إِنَّ اللّهَ لاَ یَظْلِمُ النَّاسَ شَیْئاً وَلَـکِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ) (سورة یونس: 44).

غیر أنّ الأمر بالنسبة لمن یؤمنون به سبحانه ویسلمون أنفسهم له یبدو مختلفا لأنّ الله یبشر هؤلاء بحیاة طیبة فی هذه الحیاة الدنیا وفی الآخرة، فهم أصحاب النعم فی هذه الحیاة الدنیا وفی الآخرة:

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِینَةَ اللّهِ الَّتِیَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّیِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِی لِلَّذِینَ آمَنُواْ فِی الْحَیَاةِ الدُّنْیَا خَالِصَةً یَوْمَ الْقِیَامَةِ کَذَلِکَ نُفَصِّلُ الآیَاتِ لِقَوْمٍ یَعْلَمُونَ) (سورة الأعراف:32).

من الجوانب المظلمة الأخرى للبوذیة تشاؤمـها وسوداویتها المتمثلة فى "النرفانا" التی یُوعد بها معتنقوها، وهى لیست سوى بـتـر انفصامى لکلّ روابط الحیاة بفـکر سـوداوی ینظر إلى الدّنیـا نظـرة قـاتمـة ... وتصوّر الموسـوعة الکـاثـولیـکیة هذاالجـانب من البوذیة کما یلى:

"جـانب آخر من قصــور البوذیـة المفجــع هو تشاؤمها الزائـف. إنّ العقـل القوی السلیم ضـدّ الفکرة المریضة القائلة بـأن الحـیـاة لا تسـتحق أن نعیشـها وأنّ کل شکل من أشکال الوجود الواعى شر. إنّ البوذیة تـقـف مـدانـة بنــداء الطبیعــة الذى تمتـلىء نـبـرتــه بالأمــل والحبــور. تمثل البوذیة احتجــاج ضــدّ الطبیعة التى تزخر بکمــال الحیــاة الواعیــة. إنّ غــایة طمــوح البوذیــة هو تحطـیم ذلک الکـمــال بواسطة فکرة "النرفانا" غیــر المجدیة، وتکون البوذیــة بــذلـک قد أرتکبت جـرما کبیـرًا ضــد الطبیعة لانتفاء العدل مع الناس؛ فطبقا لها یتعین کبـت جمـیع الرغبـات المشروعة، وإدانــة کل ما یتصـل بدورة الحیاة بمیلاد خلق جدید بریء، کما أنّ تشجیـع الموسیقى ممنوع، وکـذلک البحــوث فى العلـوم الطبیعیــة. إنّ تنمیة العقـل فى البوذیة مختصر على اجترار نصوص بوذا ودراسة الغیبیات البوذیة التى لـیس لأیّ منها أیة قیمــة تذکر. إنّ نظرة البوذیة إلى العالم تتسم بنوع من اللامبالاة السلبیة تجــاه کل شیء".

أمّا الإسلام فیرفض اللامبالاة لدى أتبـاعه، وعلى العکس من ذلک یدعوهم لحیاة ذات معنى غنیة بالنشاط والسعادة، وکل من یلتزم بالإسلام یکون متفاعلا مع ما یجرى حوله. فالمؤمون لا ینظرون إلى العالم باعتباره فوضى یتعیّن هجره والبعد عنه کما تفعل البوذیة، وإنّما ینظرون إلیه باعتباره دار اختبار ومجال یتعین أن تُعاش فی رحابه تعالیم الإسلام الأخلاقیة الرفیعة. ولهذا السّبب فإنّ تاریخ الإسلام زاخر بقادة أقاموا العدل ونجحوا فى توفیر حیاة مریحة وسعیدة لشعوبهم. وبالمقابل فالبوذیة أوجدت أتباعا بؤساء أشقوا أنفسهم وألحوا بها الأذى والمشقة، واضطرتهم إلى التسول وعیش حیاة الفقر، والحل الوحید عندهم للتخلص من المشاکل التی تعرتضهم هو تقدیم أنفسهم قرابین للموت. ولا شک أنّ هذا الوضع لیس سوى خدعة کـبرى یحرّکها الشیطان مع هؤلاء الناس.

البوذیة دیـانة وثنیّة

البــوذیة دیانة وثنیــة لأنّها تـعبـد الأصنام، ویقال بأنّ البوذیة الیوم تنقسم إلى مدارس مختلفة وأنّ البعض منها یعبد بوذا. ومـع ذلک فإنّ القبول ببوذا "مرشدًا معصومًا" خطأ قد وقعت فیه کل مدارس البوذیة، وهو ما یعنی أنّ هذه الدیانة تصوّر بوذا باعتباره إلهًا.

ووفقـا للمصـادر التاریخیّة فإنّ رهبان البوذیة بـدأوا فی تألیه بوذا بعد وقت قصیر من موته. وتمّ نصـب تماثیـله فى کل مکان، واکتسب تقدیسه بعد ذلک قوة أکبر بحیث تشکلت "النرفـانا" فعلیا فی جســده، وتمّ تضمینها فی تلک التماثیـل. فالاحترام المفرط الذی أبداه رهبـان البوذیة لاحقا لبوذا تحول لعبـادة صریحة. والیـوم فتماثیله منصوبة فی کثیر من البلاد التی یؤمن أهلها بالبوذیة. وفی عدة بلدان من آسیــا وحتى أمریـکا یمکنک رؤیـة تماثیل ومعابد نقشت فیهـا عین بوذا، وهی رسالة تعنى أنّ عـین بوذا ترى کلّ شیء وتراقب الناس باستمرار، وعلیهم أن یفکروا فیه فی کل لحظـة من لحظات حیـاتهم.

وَلَقَدْ أُوحِیَ إِلَیْکَ وَإِلَى الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکَ لَئِنْ أَشْرَکْتَ لَیَحْبَطَنَّ عَمَلُکَ وَلَتَکُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِینَ (39:65)

وبالتأکید لا یمکن قبول مثل هذا الاعتقاد حول شخص مات منذ آلاف السنین، بینما ما یزال یرى من یؤمنون به ویقوم بحمایتهم ویستمـع لصلـواتهم. إنّ الحقیقـة الکبرى التی لا یستطیـع البوذیون استیعابها هی أنّ الله مالک کلّ الکون الذی یسع علمه کل شیء ویحیط علما بأسرار کلّ الأشیاء الخفیة هو الذی خلق بوذا مثل غیره من البشر.

الاعتقاد فی الکرما

إنّ مبـدأ "الکرما" یفترض أن کلّ شیء یفعله الإنسان سوف یکون له أثر علیه عاجلا أم آجـلا، وسوف یکون لـه تأثیر على ما یسمى التجســید التالی. ووفقـا لهذا الاعتقاد فإنّ الناس تعاد ولادتهم باستمرار فى هذا العالم حیث یتعین علیهم أن یتحملوا العواقب فى حیاة ثانیة عما فعلوه فى حیاتهم الأولى. وینکر البوذیون وجود الله ویرون أنّ "الکرما" هى القوة الوحیدة الفذة التی تتحکم فی کل شیء.

والکـرما کلمة سنسکریتیة (لغة الهند الأدبیة القدیمة)، وتعنى "فعل"، وتشیر لقانون المسبب والأثر. ووفقا لرأی من یعتقدون فیها فالشخص یقابل فی المستقبل ما فعله فی الماضی سواء کان خیرًا أم شرًّا، فالماضی یمثل حیاة الشخص الأولى، والمستقبل یفترض أن یکون حیاة جدیـدة تبدأ بـعد الموت. ووفقا لهذا الاعتقاد فإنّ الشخص الذى هو فقیر فى حیاته الیوم یقوم بفقره هذا بدفع ثمن الشّرور التی ارتکبها فی حیاته الأولـى. وهـذا الاعتقـاد الخرافى یزعم أنّ الإنسان فی حیـاة لاحـقـة قـد "یخفض" لمستوى إعادة میلاده کحیوان أو حتى نبــات، أی مـا یسمى بتنــاسـخ الأرواح.

من النتائج الضّارة للاعتقاد فى "الکرما" أنّها تعلّم الشخص أن العجز والفقر والضعف هو عقاب بسبب شرور الشخص التی ارتکبها. ووفـقا لهذا الاعتقاد فالشخص إذا أصیب بعجز فذلک لأنه تسبب فی إیذاء شخص آخر بعجز مماثل فی حیاة سابقة، وبالتالی یستحق ذلک.

وهذا الاعتقاد الخرافی هو السبب الرئیسی للهیکل الاجتماعی غیر العادل لنظـام الطبقة المنغلقة السائد فى الهند لعدة قـرون ( ویجب تتذکر أنّ الکرمـا فکرة هندوســیة وأن البوذیـة نبعت فعلیا من الهندوسیة) لأنّ نسق الطبقة المنغلق مبنی على "الکرمـا" حیث یحتقر ویضطهد الفقراء والمرضى والعاجزین. وبالتالی فإنّ الطبقة العلیا الحاکمة تنظر لامتیازاتها کشیء طبیعى وعادل.

فی تعالیم الإسلام لا یعتبر الضعف جـزاء عقابیا، ولکن یقبله باعتباره ابتـلاء من الله تعالى، کما أنّ على الآخرین واجبا ضروریا هو مساعدة المحتاجین. ولهذا السبب فإنّ الإسلام مثله مثل الیهودیة والمسیحیة، والدیانات الأخرى المؤسسة على الوحی الإلهی فیه حس قـویّ تـجاه العدالة الاجتماعیــة. أمّا الدیانات المؤسسة على مفهوم "الکرمـا" مثل البوذیة والهندوسیة فإنّها تقـبل بعـدم المسـاواة وتضـع عقبة کبیـرة فی وجه التقدم الاجتماعى.

"الـکرما" مبنیـة على أساس الاعتقاد فی التناسخ: أی فکرة أنّ الناس یعودون إلى الدنیا بعد الموت بأرواحهم ولکن بالحلول فی جسد مختلف، وفکرة "عجلة البـعـث" هذه، تفترض أنّ کل حیـاة تـؤثـر فی الحیاة التی تلیها. ولکن هذا الاعتقاد ینهار أمام سؤال مهم وهو: کیـف تـعمل هذه "الکرما"؟ إذا لم یقـبـل بوذا بوجـود إله، مــن یقـوم حینئذِ بمحاسبة حیاة الشخص الأولى وإعادته إلى الدنیـا مرة أخرى مُستنسخًا داخل جسد آخر؟ وهذا التساؤل لیست له إجابة ! ویعتقد البوذیون أنّ الکرما "قانون طبیعیّ" یعمل ذاتیّا، وعفویـا مثل الجـاذبیة الأرضیة أو الدینامیکا الحراریـة، والحال أنّ الله هو الذی خلق کلّ قوانین الطبیعة. فلا یوجد قانون طبیعی یراقب ما یفعله الناس طوال سنین حیاتهم ویحفظ کتاب حسابهم ویقوم بحسابهم بعد مماتهم على ذلک الأساس. ولا یوجد قانون طبیعیّ یحدّد، تبعا لذلک الحساب، ما هو نوع الحیاة الجدیدة التی سیعیشها الشخص، ومن ثـمّ یقوم بإعادة خلقه تبعا لذلک؛ ولا یوجد قانون طبیعی یفرض هذه العملیة بإتقان على بلایین الناس ناهیک عن الحیوانات. مـن الواضح عدم وجود قانون طبیعی کهذا، وبالتالی لا یمکن لهذه العملیة أن تکون موجودة.

لذا یؤمن العدید من الناس فى العالم بفکرة التناسخ، رغم عدم وجود أساس منطقـی لها وذلک بسبب عدم وجود إیـمان دینیّ لدیهم. وإنکارهم لوجود حیـاة أبدیــة بعد الموت جعلهم یخافون من المـوت، ویتمسکون بفکرة التناسخ کطریق للهروب من فزعهم. والاعتقاد فى التناسخ- مثله مثل الاعتقاد فى الکرما- مبنیّ على سلوى أو عـزاء زائـف بأنّ المـوت شیء لا یخیف، وأنّ کلّ واحد یمکنـه أن یحقق ما یرید من أهداف بعد میلاده من جدید.

إذا کـان التناسخ لا یمکن أن یحدث من تلقاء ذاته، کقانون طبیعی، فمن الواضح أنّه یمکن أن یحدث فقط من خلال فعل خارق للطبیعة. ولکن عند النظر فی القرآن الکریم نجد أن التناسخ أسطورة . إنّ الکتاب الذى أنزله الله سبحانه وتعالى کمرشد للبشریة یعلن صراحة أن التـنـاسخ عملیة زائفة.

فکرة التناسخ فی الإسلام:

أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِی السَّمَاوَات وَمَن فِی الأَرْضِ وَمَا یَتَّبِعُ الَّذِینَ یَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَکَاء إِن یَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ یَخْرُصُونَ (10:66)

إنّ رأی المسلم فی فلسفة الکرما، کما هو الحال فی شأن أیّ مسألة أخرى، یجب أن تنبنی على ما یقوله الله سبحانه وتعالى فی القرآن الکریم، فهو یبین وجود ولادة واحدة فقط ویومٍ للحســاب. فکل فرد یعیش مرة واحدة على سطح هذه الأرض ثـمّ یمـوت، یقول تعالى:

(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِی تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِیکُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَیْبِ وَالشَّهَادَةِ فَیُنَبِّئُکُم بِمَا کُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (سورة الجمعة: 8)

یُحاسب الشخص بعد مماته وفقا لکلّ ما عمله، فهو یجازى عنها إمّا بجنـة أبدیـة دائمة، أو بجحیم لا ینتهی. وهذا معناه أنّ الإنسان یعیش مرة واحدة فی هذه الحیاة الدنیا، وحیاة أبدیّة بعدها. ویخبرنا الله سبحانه وتعالى بوضوح أنّ الموت لا یعقبه عـودة لهذه الحیاة الدنیـا: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْیَةٍ أَهْلَکْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ یَرْجِعُونَ) (سورة الأنبیاء:95)

(حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّی أَعْمَلُ صَالِحاً فِیمَا تَرَکْتُ کَلَّا إِنَّهَا کَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى یَوْمِ یُبْعَثُونَ) (سورة23:آیات99- 100).

وکما تـوضّح هذه الآیات فإنّ بعض الناس سوف یموتون على أمل أن یعودوا مرة أخرى إلى الدنیا، ولکن فی لحظـة موتهم سوف یکشف لهم أنّ هذا مستحیـل. وفـی آیــة أخـرى یقول الله سبحانه وتعالى عن الموت ومحاسبة البشر:

(کَیْفَ تَکْفُرُونَ بِاللَّهِ وَکُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْیَاکُمْ ثُمَّ یُمِیتُکُمْ ثُمَّ یُحْیِیکُمْ ثُمَّ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ) (سورة البقرة: 28).

یقـول الله سبحانه وتعالى إنّ کل إنسان کان میتا فی البدء، أی أنّه خُـلق من عناصر التراب غیر الحیـّة، الماء والصّلصال، ثـمّ تمت تسویة هذه العناصر المیتة ثم أحیاه. وبعد وقت محدّد من حیاة الإنسان، تنتهى هـذه الـحیـاة ثمّ یـموت. ثـمّ یعود الإنسان إلى الأرض کما خرج منها، ویفنى فی التراب وینتظر الحساب الأخیر. وسوف یُحاسب کلّ شخص فی یوم المیعاد، ویعلم أنّ العودة إلى الأرض غیر ممکنة، وسوف یعرفُ عند حسابه کلّ ما فعله فی الحیاة الدنیا. ویقول الله سبحانه وتعالى أنّ الإنسان بعد هذه الحیاة الدنیا سوف یموت مرة واحدة:

(لاَ یَذُوقُونَ فِیهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِیمِ فَضْلاً مِّن رَّبِّکَ ذَلِکَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ) (سورة الدّخان: 56-57).


وَکَمْ أَهْلَکْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِکْزاً (19:98)



أَفَلَمْ یَهْدِ لَهُمْ کَمْ أَهْلَکْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ یَمْشُونَ فِی مَسَاکِنِهِمْ إِنَّ فِی ذَلِکَ لَآیَاتٍ لِّأُوْلِی النُّهَى (20:128)

هـذه الآیـات واضحـة فى تقریر أنّ المـوت یحدث مرة واحدة. وبغض النظر عن عدد الناس الذین یودون إزالة مخاوفهم عن الموت وعن حیاة أبدیة بعد الممات وتعزیة أنفسهم بالاعتقادات الزائفة فی "الکرما" والتناسخ. وتبـقى الحقیقة وهی أنّهم لن یعودوا إلأى هذا العالم بعد المـوت. وکلّ فـرد یمـوت مرة واحـدة فقط، وکمـا أراد الله سوف تکون هنالک حیاة أبدیة فی الحیاة الآخرة. وسوف یُجازى الأفراد إمَـا بالجنـة أو یعاقبـون بالنّـار وفقا لما فعـلوه من خیر أو شرّ.

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِیعاً قَبْضَتُهُ یَوْمَ الْقِیَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِیَّاتٌ بِیَمِینِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا یُشْرِکُونَ (39:67)

وفـی النهایـة فـإنّ الله سبحانه وتعالى العادل الرّحمن الرحیم سوف یعطی الجزاء المناسب لما فعله کل فرد. وإذا کان الشخص یبحث عن الرّاحة فی اعتقادات زائفة لأنه یخشى الموت أو احتمال أن یذهب إلى النار فعلیه توقع هلاک محدّد. وعلى کلّ من لدیه فطنـة معرفة وضمـیر وخـوف أن یرجع لله بقلب مُنیب إذا کان یرید النجاة من آلالام الجحیم والفوز بالجنة، وعلیه تسییر حیاته وفقا للقرآن الکریم المرشد الحقیقی للبشریّة.

لـم تکن صفات الشیخوخة أو الشباب أو الجمال أو الغنى حائلا أمام موت أی شخص، وبالتالی لا یمکن لأیّ شخص تجاهل حقیقة الموت، وسواء تجاهل النّاس تلک الحقیقة أم لا فلا یمکنهم تفادیها، وقد أشار القرآن الکریم إلى ذلک فی قوله تعالى:

(وَجَاءتْ سَکْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِکَ مَا کُنتَ مِنْهُ تَحِیدُ) (سورة ق: 19).

وربّما تذکرک قـراءة هذه السطور باستشعار موضـوع قرب الموت، وقد یکون الموت أقرب إلیک من أی شخص آخر، وقد تموت قبل إکمال قراءة هذا الکتـاب، وقد یجیء الموت بدون سبب ظاهر، وبدون سابق مرض أو وقوع أی حادث، وقد یأتی الموت للإنسان وهو فی ریعان الشباب. سوف یُرسل الله ملک الموت لیـأتی حین تزف سـاعة رحیلک لانتزاع روحـک.

لا بدّ لنا من استیعاب هذه الحقیقة الهامة ووضعها فی دائما فی أذهاننا، علینا أن لا نؤجّل الاستعداد للموت، ویذکرنا القرآن الکریم بذلک فی سورة المنافقون أنه لا یمکن تأجیل الموت إذا حلّ: (وَلَن یُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِیرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (سورة المنافقون: 11). کما یحدثنا عن مبلغ الأسى الذى ینتاب من یحل به الموت ولم یستعد له بالعمل الصالح:

(وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاکُم مِّن قَبْلِ أَن یَأْتِیَ أَحَدَکُمُ الْمَوْتُ فَیَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِی إِلَى أَجَلٍ قَرِیبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَکُن مِّنَ الصَّالِحِینَ) (المنافقون: 10)

اعتقاد البوذیة المنحرف عن الآخرة

إنّ اعتقاد البوذیة فی "الکرما" لا یترک مجالا للاعتقاد فی الحیاة الآخرة، جنة کانت أو نارًا، وهذا الموقف الزائف والمنحرف، أی فکرة عودة الإنسان إلى الدنیا بعد کلّ موت وباستمرار، تجافی ما ورد فی القرآن الکریم. وفی کتابه "أدیان الهنـد" یوضح إدوارد واشبورن هوبکنز بروفسور اللغة السنسکریتیة والفلولوجیا (فقه اللغة التاریخی المقارن) بأنّ البوذیة لا تؤمن بحیاة أخرى، ویقول:

"...إنّ منطق نسق بوذا قـاد إلى التشاؤم بطریقة منهجیة تامّة، ممّا یعنی نکران الحیاة الأخرى للإنسان الذى لا یجد سعادة فی هذه الدنیا....وفی حدیثه مـع محاوریه و أتباعه یستعمل جمیع الوسائل لتفادی التقصی المباشر حول مصیرالإنسان بعد الموت، فهو یؤمن أنّ "النرفانا" ( إفناء الشهوة ) أدّت إلى إعدام الموجودات. وهو لم یؤمن بخلود الروح....غیر أنّ ما حثّ علیه باستمرار هو أنه على کلّ من یؤمن بمبدإ "الکرما" وتکرار المیلاد کمبدإ غیر قابل للجدل بکلّ أبعاده (...أی أنّ کل خطیئة فی هذا العالم یتبعها عقاب فی المیلاد الثانی) أن یحاول البحث عن خلاص، إذا أمکن من هذا الطّریق المؤلم الذی لا نهایة له، وهو إعادة ولادته ببعث جدید".

واستنادًا إلى بعض کتابات البوذیّة یمکن للمرء أن یستشفّ المعلومات التّالیة عن الحیاة الأخرى:

سواء ولد الشخص فی السماء أو فی أحد مستویات الجحیم المختلفة، فإنّ أشکال الحیاة فی هذه الأماکن لها صفة تحوّلیة کما هى على الأرض ولیست أبدیة ... وکما فی الهندوسیة فإنّ فترة البقاء التی یقضیها الأشخاص داخل هذه الأماکن تعتمد على القدر الذى فعلوه من الخیر والشرّ عندما کانوا على الأرض.

وعندما یکملون الزمن المحدّد سوف یعودون إلى الأرض مرّة أخرى. والسّماء والجنة لیستا سوى حالة بقاء مؤقّت یتلقى فیها الأفــراد الجزاء على الأفعال التی ارتکبوها عندما کانوا على الأرض. وتعالیم البوذیّة تشیر إلى وجود نوع من الجنة والنار، کجزاء وعقاب لافعال الشخص الشخص، ولکن لأنّ هذا الاعتقاد لم ینبثق من دیانة سماویة فإنّه یتضمن عدة تناقضات ومسائل غیر منطقیة. وبالإضافة إلى هذا وذاک، وبعکس ما ذکر الله سبحانه وتعالى فی القرآن فإنّ البوذیة تعتقد بأنّ الجنة والنار تمثلان مرحلتی تحوّل.

ومرة ثانیة فإنّ من أکثر جوانب الاعتقاد التی تفتقد إلى المنطق فی هذه الدّیانة هی أن کلّ نظم الحیاة فی العالم تعمل بذاتها، ووفقا للبوذیة فکما أنّ وجود الکون والبشر غیر مضبوط بضابط، فکذلک دورة الموت وإعادة المیلاد . ولا مجـال فی هذا الاعتقاد لخالق أوجد العالم والحیاة، وکذلک لا مجال لوجود جنة ینعم فیها الإنسان أو نار یشقى فیها. ولکن عدم توضیحها لکیفیة خلق هذه العوالم أمر غیر منطقی وغیر مقبول.

ولکـن من یتولى عملیة الجزاء بالجنة أو النار؟ وأکثر من ذلک کیـف خلقت تلک العوالم؟ إنّ فلسفة البوذیة تتدعی عدم وجود أهمیـّة حول کـیفیــة نشوء الجنة والنار بدون وجود خالق. وهذا الاعتقـاد الوهمی تــمّ تــمریــره من جیــل إلى جیــل، دون أن یُطرح حوله تســاؤل أو یتـمّ تفســـیره بطریقة مقنعة. والبوذیّة لا تملک تفســیرًا لکیفیة وجود الکون أو للطریقة التی یعمل بها، ولا عن مصدر الفنّ الخلاق المبــــدع الظاهر فی جمیع الکـائنات الحیة. ولـهذا السبب، فالبوذیة لا تزید عن کونها حرکة غـامضـة تفتقد إلى المنطق وتسندها الأســـطورة فقط.

الحقـیقة التی تنتظـرنا فی الآخـرة :

إنّ المصدر الوحیــد الذى یمدّنا بالحقائق عن الحیاة فى هذه الدنیا والإیمان بالآخرة هو القرآن الکریم الذى أرسل نبراسًا مرشدًا للبشریة، بالإضافة إلى السنة النبویة. یذکرنا الله تعالى فی القرآن الکریم أنّ هذه الحیاة الدنیا إنما هی فترة ابتلاء مؤقتة لکلّ شخص، وأنّ الآخرة هی دار البقـاء. وکلّ شخص سوف ینال الجزاء الأوفى إما فی الجنة أو فی النار عن کلّ الأعمال التی عملها خلال فترة حیاته التی قضاها فی هذه الدّنیـا:

(وَمَا الْحَیَاةُ الدُّنْیَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَیْرٌ لِّلَّذِینَ یَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (سورة الأنعام: 32).

هذا لمن یسلم قیاده لله ویکیف حیاته مع المرشد الحقیقی الذى أنزله، ومع سنة نبیّه صلى الله علیه وسلم، ویؤمن بکلّ جوارحه بأنّه سوف یُحاسب فى الیـوم الآخـر على أعمــاله، وأنّه سوف یلقـى الجـزاء فى جنة الخلد أو فی نار جهنّم. لقد أخبر الله البشریة بذلک فی کتبـه التى أنزلها وعن طریق أنبیائه الذین اختارهم لتبلیغ رسالته، غیر أنّ البوذیة شرعةٌ من صنع إنسانٍ، وقد تکوّنت بتراکم معلومات سماعیة، وبنیت على أساس فلسفة ابتدعها إنسان من عند نفسه.

وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ کَانَ زَهُوقاً (17:81)

إنّ استعمال العقل البشریّ لتغییر ما جاء من عند الله یمثل خطأ على غایة من الخضورة، أمّا هؤلاء الذین یملئون رؤوسهم بأفکار مشوهة منطلقها هذه الدیانة البوذیة، أو تقلید فنانی موسیقى البوب المفضلین لدیهم، أو نجوم السّینما، أو أیة موضة فکریة أخرى فعلیهم مراجعة انفسهم وتحریرها من ذلک الخطأ الجسیم. والقرآن الکریم یتضمن أخبارًا عن حالة هؤلاء الذین یدّعـون عدم وجود حـیاة أخرى:

(وَالَّذِینَ کَذَّبُواْ بِآیَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ یُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا کَانُواْ یَعْمَلُونَ) ( سورة الأعراف: 147).

(وَأَمَّا الَّذِینَ کَفَرُوا وَکَذَّبُوا بِآیَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِکَ فِی الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) ( سورة الروم: 16).

إنّ "الجــزاء" و "العـــذاب" المشـــار إلیهما فی هذه الآیات سوف یبدأ فی لحظة الموت. وسوف یعتری المذنبین ندمٌ عظیم، ندم لا یجدی صاحبه شیئا عندما یدرک حجم الخطأ الذی کان یعیشه فی حیاته الدّنیا:

(وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ یَا لَیْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُکَذِّبَ بِآیَاتِ رَبِّنَا وَنَکُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ) (سورة الأنعام: 27).

( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاکِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ) (سورة السجدة: 12).

ولکن مهما استجدوا وطـلبوا الغفران، سوف یبدأون مرحلة ملیئة بالألم الذی لا مفرّ منه، ولا مجال لرجوعهم إلى هذه الدنیا، ولن یقبل ندمهم کما لن یستجاب أبدًا لرغبتهم فی العودة إلى الدنیا. هؤلاء الناس کثیرا ما جاءتهم التحذیرات، فلم یؤمنوا، وسجدوا لأصنام من الحجر والخشب وأشرکوها مع الله تعالى؛ هؤلاء الذین الذین اتبعوا الفلسفات الفاسدة من أجل جلب انتباه الآخرین وتلبیة هوى فی أنفسهم، هؤلاء الذین لم یخشوا الله کما ینبغی، سوف یلاقون مهانة لا تنتهی منذ لحظة لقائهم بملک الموت. وسوف تنزع أرواحهم بالضّرب على ظهورهم وجنوبهم، وسوف یوضعون فى الأغـلال ویُقــذف بهم فی الجحیم، هـذه هی بدایة آخرتــهم.

إنّهم لن یستطیــعوا الحدیث ولن تکون أصواتهم بأکثر من همس: (یَوْمَئِذٍ یَتَّبِعُونَ الدَّاعِیَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) (سورة طه: 108).

وسوف یکون الجحیم هوالمنتهى لهؤلاء الجاحدین الذین عظموا من أنفسهم أمام الله سبحانه وتعالى ولم یؤمنوا بیوم الحساب أوالآخرة، وکانوا متمرّدین رغم تحذیرهم، ولم یعیشـوا حیاة مبنیة على الأخلاق الإیمانیة الصحیحة. وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل الجحیم بأنهم (مُقَرَّنِینَ فِی الأَصْفَادِ) (سورة الفرقان:13) و ( وَعَلَیْهِمْ نَـــارٌ مُؤْصَدَةٌ) (سورة البلد:20)، ویعیشـون فى ظلمة دخان أسـود، وسوف یسمعون زئیر النّار ویجدون الناس زمراً یتصارخون فیها. ولن یرتاحوا أبدًا من آلامهم التی لا نهایة لها رغم توسّلهم. فهم فی حال ضنکى لا یجدون منها مخرجا.

ومن ناحیة أخرى فإنّ سکان الجحیم سوف یکون لهم مظهر مفزع، وسوف یغلّون بالأصفاد والسلاسل، وتکون أعینهم مسدلة ذات لون أسـود من الذلّة. وسوف تلفح جلودهم ریح محرقة، وتبدل جلودهم باستمرار کلّما نضجت: (إِنَّ الَّذِینَ کَفَرُواْ بِآیَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِیهِمْ نَاراً کُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَیْرَهَا لِیَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ کَانَ عَزِیزاً حَکِیماً) (سورة النساء: 56). وسوف یُجــلدون بعصیّ من الحدید ویصفّدون (فِی سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً) (سورة الحاقة: 32). وسوف تُکوى جباههم وجنوبهم وظهورهم بالنار، ویصبّ المـاء الحار على رؤوسهم ویلبسون لباسًا من القطران. ویحدثنا القرآن الکریم أیضا عن الطعام البشع والشراب الذی أُعدّ لأهل النار: (وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِینٍ) (سورة الحاقة: 36). وقد أخبر الله فی القرآن الکریم أنّ طعامهم سـیکون (مِنْ غِسْـــلِین)، وهو طعامٌ لا یمکن تحمّـله فی هذه الدنیا. وقــد أُدخلوا الجحیم لأنهم نسُـوا الله ولهثـوا وراء شهواتهم الشخصیة فی هذه الدنیا، وسوف یُجبرون على شرب الماء المغلّى المخلوط بالغسلین بسبب عدم قدرتهم على ابتلاعه.

وفى الجحیم، سوف یجبرالمخطئون على أکل عشب مرّ له أشواک مع الزقّوم( نبات شیطانی): (طَعَامُ الْأَثِیمِ کَالْمُهْلِ یَغْلِی فِی الْبُطُونِ کَغَلْیِ الْحَمِیمِ) (سورة الدخان: 43-45) وبالنسبة للذین یؤمنون بالله ویتوکلون علیه سوف لن یقعوا فی شیء من هذا الوضــــع المهین، وإنّما سوف یمرّون بحساب یسیر لأنه لم تغرهم الأفکار والفلسفات الفاسدة، ومن أجل أنْ یرضـوا الله وخوفًا من عذاب الجحیم، عاشوا وفقا لتعالیم القرآن الکریم. وهؤلاء سوف یستقبلون بسلام ویرحب بهم فی الجنة لا خوف علیهم ولا هم یحزنون. وفی ذلک الیــوم یخبرنا الله تعالى أنّ وجوه المؤمنین سوف تکون ناعمة نضرة:

(وَسِیقَ الَّذِینَ کَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ یَأْتِکُمْ رُسُلٌ مِّنکُمْ یَتْلُونَ عَلَیْکُمْ آیَاتِ رَبِّکُمْ وَیُنذِرُونَکُمْ لِقَاء یَوْمِکُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَکِنْ حَقَّتْ کَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْکَافِرِینَ قِیلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِینَ فِیهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَکَبِّرِینَ وَسِیقَ الَّذِینَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَیْکُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِینَ) (سورة الزمر: 71-73).

 

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِینَ {43} لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّکُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ (15:43-44)

على کلّ فرد أن یأخذ مأخذ الجـدّ التحذیرات المتکررة فی القرآن الکریم بشأن یوم الحساب: (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِیَةٌ لاَ رَیْبَ فِیهَا وَأَنَّ اللَّهَ یَبْعَثُ مَن فِی الْقُبُورِ) (سورة الحج: 7)، ویقول تعالى أیضا: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِی غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ مَا یَأْتِیهِم مِّن ذِکْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ یَلْعَبُونَ) (سورة الأنبیاء: 1-2).

فی ذلک الیوم، سوف یجدُ الخیّرون ما یرضیهم جزاء ما عملوا، بینما یتمنى کل من أرتکب شرّا أن یطول الأمد بینه وبین ذلک الیوم. وسوف یقف کل واحد أمام العدالة الإلهیة فردًا، ویحاسب حسابا عادلاً لا ظلم فیه: ( وَنَضَعُ الْمَوَازِینَ الْقِسْطَ لِیَوْمِ الْقِیَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَیْئاً وَإِن کَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَیْنَا بِهَا وَکَفَى بِنَا حَاسِبِینَ) (سورة الأنبیاء: 47).

إنّ کلّ الفلسفات التى صنعها الإنسان ما هی إلاّ محض خداع یُبعد الناس عن الإیمان بوجود الله سبحانه وتعالى وعن طاعته. إنّ فهم البوذیة السطحى للأخــلاق منـاقض تمامًا للسّلوک البشری الطبیعی من عدّة أوجه . والبوذیّة تعطی للناس فرصة لتجنب عذاب الضّمیر الناجم عن عدم وجود دیانة یعتقدونها، وبالتالی تعمل کمصدر روحى زائــف. والمؤمنون بالبوذیة یعزّون أنفسهم بفکرة أنّهم یحققون صفاءًا روحیّا بتسلیط الألـم على أنفسهم، وینکرون احتیاجات الجسـد. ولکنّ هناک حقیقة لم ینتبهوا لها وهی أنّه على النّاس جمیعاً أن یدرکوا أنهم عبادٌ لله سبحانه وتعالى، ولن تکون للعمل أیة قیمة إذا لم تقترن بالإیمان الصحیح والنیة الخالصة لمرضاة الله تعالى.


کُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَکُمْ یَوْمَ الْقِیَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَیَاةُ الدُّنْیَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (3:185)


إنّ کبح جماح أنفسنا ورغباتها له قیمة کبیـرة، ولکن فقط إذا تمّ لنیل مرضاة الله، وبالشکل الذی یریده الله تعالى. أمّا أولئک الذین یبذلون هذا النّـوع من الجهد ویکون قصدهم منحرفا عن الهدف الصحیح، ویکون إیمانهم معوجّا فلا فائدة ترجى من أعمالهم: (فَأُوْلَـئِکَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِی الدُّنْیَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِکَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِیهَا خَالِدُونَ) (سورة البقرة: 217).

نظرة البوذیّة إلى الحیاة الدنیا

إنّ من یقبلون فکرة "الکرما" یعتقدون أنّ دورة إعادة میلادهم لن تنتهی أبدًا وأنهم سوف یعیشون مرة أخرى بعد الموت، حتى یحققوا "النّرفانا". وهم کذلک یفترضون بأنّ أمامهم احتمالات لا حصر لها، لذا إذا قرّر أحدهم ارتکاب معصیة، فإنّه یرى أنه سوف یکون قادرًا على أن یکفّر عنها فی استنساخ لاحق حتى لو کانت حیاته التالیة مباشرة أکثر رداءة من الحالیة. إنّ الفهم المبنی على أساس خاطىء کهذا لا یمنع الشخص من ارتکاب المعاصی.

إنّ ضعف الناس الرئیسی یکمن فی ارتباطهم بهذه الحیاة الدنیا، وهم یعتقدون منذ الأساس فی فکرة ضالة والمتمثلة فی التناسخ لأنهم لا یریدون أبدًا مفارقة ملذات الدنیـا. لذا، لا یمکن للشخص تغییر سلوکه بشکل جذری وکامل إلاّ إذا کان له تصوّر صحیح عن طبیعة الحیاة الدّنیویة.

إنّ أیّ فرد یدرک حقیقة الحیاة فی هذه الدنیا یعرف أنّه خلق لعبادة الله، الله الذی خلق خلقه وخلق الکون من حوله، به یستعین وعلیه یتوکل. کما یعلم أنّه مسؤول عن أفکاره وکلماته وأعماله، وأنّه سوف یرِدُ على الله یوم الحساب بکتابه لیحاسب على ما فعل فی دنیاه. وقد بین الله السبب الذی خلقتْ من أجله الحیاة: (الَّذِی خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَیَاةَ لِیَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِیزُ الْغَفُورُ) (سورة الملک: 2).

بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَلاَ هُمْ یَحْزَنُونَ (2:112)

وکما توضح هذه الآیة، فقد خلق الله البشر وأوجدهم فی هذه الحیاة الدنیا لوقت محدود للامتحان، وهو یمتحننا بما یحدث لنا من أشیاء، ویدعنا نعیش بحریتنا حتى یمیّز الخبیث من الطیب، ویرشد المؤمنین منهم إلى القیم الأخلاقیة التی تقودهم إلى الجنة. نعم، إنّ هذه الدنیا جسر یعبره المؤمنون لینالوا رضا الله تعالى. وفی القرآن الکریم یخبرنا الله عز وجلّ أنّه خلق البشر لعبادته: (یَا أَیُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّکُمُ الَّذِی خَلَقَکُمْ وَالَّذِینَ مِن قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) (سورة البقرة: 21).

لقد رسم الله سبحانه وتعالى بوضوح الحدود التی لا یجوز للبشر تجاوزها، ووضّح کذلک الأخلاق التی توقد إلى رضا الله تعالى، والأخلاق التی تجلبُ غضبه، وسـوف ینالُ کل إنسان المکافأة أوالعقاب فی الحیاة الآخرة وفقا للطریق الذی سار فیه فی الدنیا. وهـذا یعنى أنّ کلّ لحظة نعیشها سوف تقرّبنا من النّار أو من الجنة. والله سبحانه وتعالى یذکّر عباده بهذه الحقیقة ویحذّرهم من ذلک الیـوم العظیم فی عدة آیات من القرآن الکریم، ومن ذلک ما جاء فی سورة الحشر: ( یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِیرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (سورة الحشر: 18).

إنّ المُؤمنین الذین یخافون عقاب الله یعبدونه فقط ویطیعون أوامره، ویتجنبون نواهیه ویتصرّفون على نحو یرضیه. والارتباط بالله برابط قویّ من الحبّ، والخوف منه واتباع أوامره والإقبال على عبادته هو الطریق الوحید لنیل السّمو الأخلاقی الذى یتعیّن على الفرد اتّباعه، وعلیه ألاّ یتردّد فی بلوغ هذا الهدف حتى لو تضارب مع مصالحه.

قد یکون للبوذیّ بعض الصّفات الأخلاقیة الرّفیعة، غیر أنّها سوف تکون مؤقتة ومشروطة بضروف محدّدة. فالبوذیة أیضا توصی ببعض الأعمـال الجیّدة، ولکن، بالطّبع قد لا یکون لها قیمة فی نظر الله تعالى. وما القیمة التى توجد فی عمل شخصٍ یفعل خیرًا لمن حوله إذا کان غیرُ شاکر لأنعم لله بل وینکر وجودَ من خلقه من العدم؟ ومن أجل أن تکون تلک الأعمال ذات قیمة فیجب أن تترافق مع الإیمـان الصحیح بالله، هذا الإیمان الذی یبعث الرهبة فی قلبه فیخشى الله، ویجلب الحبّ فیطیعه. ولهذا السّبب فإنّ أخلاق المؤمنین العالیة لا تقوم على الرومنسیة ( الخیال والعاطفة)، فعبادتهم متواصلة فی جمیع أحوالهم تمامًا کمـا أمر الله سبحانه وتعالى فی القرآن الکریم:

(وَیَزِیدُ اللَّهُ الَّذِینَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِیَاتُ الصَّالِحَاتُ خَیْرٌ عِندَ رَبِّکَ ثَوَاباً وَخَیْرٌ مَّرَدّاً) (سورة مریم: 76)

(وَلَهُ مَا فِی الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّینُ وَاصِباً أَفَغَیْرَ اللّهِ تَتَّقُونَ) (النحل: 52).

(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِینَةُ الْحَیَاةِ الدُّنْیَا وَالْبَاقِیَاتُ الصَّالِحَاتُ خَیْرٌ عِندَ رَبِّکَ ثَوَاباً وَخَیْرٌ أَمَلاً) (الکهف: 46)

یجـب على النّاس أن یحذروا من الغفلة وهم مرتبطون بأشیاء زائلة وتافهة فى هذه الحیاة، لأنّ هذه الحیاة قصیرة جدًّا، ولأنّ الثراء و الجمال ومتاع الحیاة الدنیا لا یساوی شیئا فی الآخرة. سوف یتلاجى الجسد بعد دخوله إلى القبر، وسوف یزحف الزمن فیفنی جمیع ما ترکه الإنسان خلفه من أشیاء، وسوف یحضر کل شخص للمثـول أمام الله للمحاسبة. ولو أنک سألت شخصًا فی الثلاثین من عمره عن تجاربه حتى ذلک الوقت، فسوف یجیب بأنّ هذه الأعوام قد مرّت سریعًا، وقد یعیش ثلاثین أو خمسین سنة أخرى بنفس الطّریقة قبل أن یموت. وفی آیات عدیدة ینبّهنا الله بأنّ فترة الحیاة فی هذه الدنیا قصیرة، وأنّ الناس سوف یعترفون بذلک بکل وضوح فی الآخرة: (وَیَوْمَ یَحْشُرُهُمْ کَأَن لَّمْ یَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ یَتَعَارَفُونَ بَیْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِینَ کَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا کَانُواْ مُهْتَدِینَ) (سورة یونس: 45)

(وَیَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ یُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَیْرَ سَاعَةٍ کَذَلِکَ کَانُوا یُؤْفَکُونَ) (سورة الروم: 55).

ســوف یکون من الخطإ الجسیم على أیّ شخص أن ینخدع بالإغراءات الزّائفة لهذه الحیاة الدنیویة القصیرة ویغفل عن الآخرة وهی دار القرار. فالحساب أمام الله تعالى حقیقة لا ریب فیها: إَنَّ الَّذِینَ لاَ یَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَیاةِ الدُّنْیَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِینَ هُمْ عَنْ آیَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَـئِکَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا کَانُواْ یَکْسِبُونَ) (سورة یونس: 7-8).

أمّا هؤلاء الذین لم تغرّهم الحیاة الدنیا، واختاروا حیاة الدّار الآخرة فإنّ الله یبشرهم: (مَن کَانَ یُرِیدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِی حَرْثِهِ وَمَن کَانَ یُرِیدُ حَرْثَ الدُّنْیَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِی الآخِرَةِ مِن نَّصِیبٍ ) (سورة الشّورى: 20).

(وَلاَ تَمُدَّنَّ عَیْنَیْکَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَیَاةِ الدُّنیَا لِنَفْتِنَهُمْ فِیهِ وَرِزْقُ رَبِّکَ خَیْرٌ وَأَبْقَى) (سورة طه:131).

أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَکَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَکُنَّا ذُرِّیَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِکُنَا بِمَا فَعَلَ
الْمُبْطِلُونَ (7:173)



قُلْ هَلْ مِن شُرَکَآئِکُم مَّن یَهْدِی إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ یَهْدِی لِلْحَقِّ أَفَمَن یَهْدِی إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن یُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ یَهِدِّی إِلاَّ أَن یُهْدَى فَمَا لَکُمْ کَیْفَ تَحْکُمُونَ (10:35)



اللَّهُ الَّذِی خَلَقَکُمْ ثُمَّ رَزَقَکُمْ ثُمَّ یُمِیتُکُمْ ثُمَّ یُحْیِیکُمْ هَلْ مِن شُرَکَائِکُم مَّن یَفْعَلُ مِن ذَلِکُم مِّن شَیْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا یُشْرِکُونَ (30:40)


قَالَ هَلْ یَسْمَعُونَکُمْ إِذْ تَدْعُونَ {72} أَوْ یَنفَعُونَکُمْ أَوْ یَضُرُّونَ {73} قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا کَذَلِکَ یَفْعَلُونَ {74}



وَإِذَا سَأَلَکَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِیبٌ أُجِیبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْیَسْتَجِیبُواْ لِی وَلْیُؤْمِنُواْ بِی لَعَلَّهُمْ یَرْشُدُونَ (2:186)




لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِینَ یَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ یَسْتَجِیبُونَ لَهُم بِشَیْءٍ إِلاَّ کَبَاسِطِ کَفَّیْهِ إِلَى الْمَاء لِیَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْکَافِرِینَ إِلاَّ فِی ضَلاَلٍ (13:14)



وَلَلَّهِ مُلْکُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ وَیَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ یَوْمَئِذٍ یَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (45:27)




ذَلِکَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا یَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِیُّ الْکَبِیرُ (31:30)

 

ذَلِکَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا یَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِیُّ الْکَبِیرُ (22:62)



قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِینَ (53) قَالَ لَقَدْ کُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُکُمْ فِی ضَلَالٍ مُّبِینٍ (21:53-54)

وَمِنَ النَّاسِ مَن یَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً یُحِبُّونَهُمْ کَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِینَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ یَرَى الَّذِینَ ظَلَمُواْ إِذْ یَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِیعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِیدُ الْعَذَابِ (2:165)


وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ یَعِظُهُ یَا بُنَیَّ لَا تُشْرِکْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْکَ لَظُلْمٌ عَظِیمٌ (31:13)


وَیَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ یَضُرُّهُمْ وَلاَ یَنفَعُهُمْ وَیَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ یَعْلَمُ فِی السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِی الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا یُشْرِکُونَ (10:18)



بازدید : مرتبه
 
آمار وبلاگ
تعداد بازدیدکنندگان: 24970