الإسلام العربی

دعوة إلی الحقیقة

البوذیـة: عـقیدة وثـنیة فـاسـدة

إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ ألله الإِسْـلاَمُ (سورة آل عمران: 19)



البوذیـة: عـقیدة وثـنیة فـاسـدة

نشأ بوذا فی شمال شرق الهند قبل 2500 عام، ومضى زمن امتد تأثیره فیه إلى سریلانکا وبورما وتایلانـد ولاوس وکمبودیـا والصـین والیابان والـتّبت ومنغولیا ومنشوریا وکوریـا ونیـبال، والیـوم له من الأتباع ما یربو على 330 ملیون شخص.

لقد اختلف تعریف البوذیـة دومـا باختلاف فهم البوذیین لمعنى الحیاة. تمثل البوذیة للبعض دیانة وینظر إلیها آخرون باعتبارها طریقة أو مدرسة فلسفیة. غیر أنها ومن خلال نظرتها للحیاة وکلّ ممارساتها فإن مبدأ البوذیة مبدأ وثنى ووهمی. فهی دیانة وثنیـة تفتقد الإیمـان بالله کما أنّها ترفض وجود الملائکة والحیاة الأبدیة فی الآخرة وتنکر وجود النار والقیــامة.

ولـد "سیدارسا قاوتاما" مـؤسس البوذیة فی مدینة کابلافاستو الهندیة، وقد عاش فیما بین عامى 563 و483 قبل میــلاد المســیح . وفی ذلک الأوان کانت کانت البراهماتیة دین الهند السائد وهو دین الغزاة من الأریان... وحسب نسق الأریان الطبقی الجامد کان المجتمع کله مقسما إلى أربع مجموعات، وکلّ منها مقسّم بدوره إلى طبقات فرعیة. وقد شکل کهنة البراهماتیة الشریحة الأعلى فی المجتمع، وقهروا بدون رحمة الآخرین ممن کانوا فی وضع اجتماعی أقل منهم.

کـان قاوتاما ابن أمیر ثرى اسمه سودهودانا من أسرة ساکیا النبیلة. وبعد أن أمضى شبابه فی سعة من العیش غادر قاوتامـا القصر وعمره 29سنة، وبدأ بحثا غامضا استمر حتى مماته فى الثمانین من عمره. وخلال هذه الفترة أسس لمبادئ محدّدة نشأ عنها ما یسمى الیوم "مذهب البوذیة".

 

تَدْعُونَنِی لِأَکْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِکَ بِهِ مَا لَیْسَ لِی بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوکُمْ إِلَى الْعَزِیزِ الْغَفَّارِ (40:42)

وَإِذَا قِیلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَیْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ کَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ یَعْلَمُونَ شَیْئاً وَلاَ یَهْتَدُونَ. (5:104)

 

قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَیْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِیٍّ وَلَا یُشْرِکُ فِی حُکْمِهِ أَحَداً (18:26)

وکلمة بــوذا تعنى (المتیقظ أو المستـنـیر) لتمثل السموّ الروحی الذی یفترض أنّ سیدارسا قاوتاما قد حـققه. إنّ تعالیم البوذیة التى کتبها ووصلتنا لا تحوی تأریخا یتضمن تلک الفترة التى عاش فیها، ولکنّها کتبت لاحقا خلال 300 و400 سنة بعد موته. وفی الصفحات التالیة من هذا الکتاب سوف نقوم بفحص تلک الصفحات بالتفصیل وسوف نرى أنّها تحتوی على معتقدات وممارسات خاطئــة مما یجافی أیّ منطق، ویقدم بـوذا خطأ کتمثال ووثن یـعـبـد.

الـذین أشــرکوا بـوذا مـع الله:

ذَلِکَ بِأَنَّ الَّذِینَ کَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِینَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ کَذَلِکَ یَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (47:3)

إنّ البوذیـــة بمعتقداتها الأساسیة وفلسفتها وممارساتها دیانــة وثنیة. ویضع البوذیون بوذا فی مکانة عالیة من الحبّ والاحترام والتّعظیم والخوف، بل حتى القبول به ربّا وإلهًا. ورغم عدم وجود وثائق من زمن بوذا یفهم منها أنه حث أتباعه على عبـادتـه؛ فقد قام البراهماتیة ممن یقومون سلفا بعبادة الأوثان بصناعة تماثیل لسیدارسا، وفی ذات الوقت قام من کانوا یظهرون حبّا مفرطا لبوذا بعبادة تلک التماثیل واعتباره ربّا.

غیر أن جمیــع الأدیــان التى تقوم على الوحـى الإلهـی تتمســک بعقیدة التوحید التی تقرّ بوجود الله الواحد الذی لیس کمـثله شیء، یقــول الله سبحانه وتعالى فی القرآن الکــریم ( فَإِلَهُکُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِینَ) (سورة الحج: 34).

إنّ نکران ربوبیّة الله وعبادة أوثـــان لناس عادیین کما یفعــل البوذیـّون سمــاه القــرآن "شرکًا"، وفـى مئات المواضـع فی القـــرآن الکریم یذکرنا الله أنّ هذا الشرک خطیئة مذمومة ... ومن الأمثلة على ذلک قوله تعالى فی سورة النساء: (إِنَّ اللّهَ لاَ یَغْفِرُ أَن یُشْرَکَ بِهِ وَیَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِکَ لِمَن یَشَاءُ وَمَن یُشْرِکْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِیماً) (سورة النساء : 48)


وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِیِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ یَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ یُکَلِّمُهُمْ وَلاَ یَهْدِیهِمْ سَبِیلاً اتَّخَذُوهُ وَکَانُواْ ظَالِمِینَ
(7:148)


إنّ کلمــة "شریک" أو "شرک" تعنی الشراکــة، والقرآن یستعملها فی معنى مشارکة مخلوقاته له، مثـل اعتبار شیء ما أو شخص أو أیّ فکرة مساویة لله أو أعلى منـه. إنّ المشرک یقدم المخلوق على الخالق ویجعل له مکانة أعلى من مکانة الله تعالى. ویوجه إلیه کلّ حبّه واحترامـــه واهتمامه وشغفه. والقرآن الکریم یشیر إلى هذا الضلال فی التفکیر، هذا الضلال الذی یدفع صاحبه "لاتخاذ إله آخر مع الله".

إنّ الدین الإسلامی مبنیّ على أساس وحدانیــة الله (التوحیـد)، والقرآن الکریم کثیرًا ما یردّد عبارة لا إله إلاّ الله، وهی شرط الإیمان الأوّل. وبالتـالی فالمعنى الأساسی للشّرک یحیـد عن هذه الحقیقة نحو الفکرة الخاطئــة والتی تفید بوجود موجودات أخرى بجانب الله تملک "القوة والقدرة".

وَإِذَا قِیلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَیْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ کَانَ الشَّیْطَانُ یَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِیرِ (31:21)

إنّ الله قـد أخبر عن نفســه فی القرآن الکریم ویصف ذاته العلیة، ویذکّرنا دائما أنّه لا إله إلا هو، من ذلک قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِی لاّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِکُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَیْمِنُ الْعَزِیزُ الْجَبَّارُ الْمُتَکَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا یُشْرِکُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى یُسَبِّحُ لَهُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ) (سورة الحشر: 22-24).

لقد ذکـر الله سبحانه وتعالى صفـاته للبشر لاستیعابها وفهمها. وکمثال على ذلک فهو سبحانه وتعالى واسع الرّحمـة ورحمته تسع کلّ شیء. وبرحمته أوحى للبشر من مخلوقاته. وإبداعــه سبحانه وتعالى یمکن رؤیتـه فى صفات هؤلاء الناس رغم أنّهم لا یتمتعون بهذه الصفات نتیجة لجهدهم الشخصی أو لمیزات ترجع لهم. لا یمکن لبشر آخر بإرادته أن یمتلک أو یبتکر بالخلق صفـات الله سبحانه وتعالى. إنّ الادعاء بأنّ لدیهم هذه القدرة هو بمثابـــة "اتخاذ إله آخر مع الله". وهذا ینطبـق على البوذیین الّذین وقعوا فی الخطأ بإشراک مخلوقات الله سبحانه وتعالى معــه وإسباغ صفاته جلّ شـــأنــه على موجودات أخرى أقل منه.

وکمثال فإنّ الله سبحانه وتعالى یرى ویـعلم کلّ شــیء "مهما خفی أمره"، وعندما یتصرّف شخص فی الخفاء دون أن یکون بجانبه شخص آخر معتقدًا أن لا أحد یراه فإنّه یکون واهمًا لأنّ ربنا سبحانه یـراه ویعـلم کلّ شیء یفعلـــه. وهو یعــلم بکلّ ما یحدث فى الکون حتى التفاصیل الدقیقة یعلمها لأنه هو الله الذی خلق ذلکم جمیعـا. وفی القرآن الکریم یؤکد الله سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله: ( لاَّ تُدْرِکُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ یُدْرِکُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ) (سورة الأنعام: 103).



أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَیْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا یُشْرِکُونَ (52:43)



َفَلَا یَرَوْنَ أَلَّا یَرْجِعُ إِلَیْهِمْ قَوْلاً وَلَا یَمْلِکُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (20:89)

اللَّهُ الَّذِی خَلَقَکُمْ ثُمَّ رَزَقَکُمْ ثُمَّ یُمِیتُکُمْ ثُمَّ یُحْیِیکُمْ هَلْ مِن شُرَکَائِکُم مَّن یَفْعَلُ مِن ذَلِکُم مِّن شَیْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا یُشْرِکُونَ (30:40)

أینما وجد إنســـان فإنّ الله موجود معه کحقیقة مطلقة، والله یعلم فیم تفکر فی هذه اللحظة تحدیدًا، وأنت تقرأ هذه الکلمات و الله یخبرنا أنه یرانا فی أی مکان نـکون فیــــه، ویقول فی القرآن الکریم: (وَمَا تَکُونُ فِی شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ کُنَّا عَلَیْکُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِیضُونَ فِیهِ وَمَا یَعْزُبُ عَن رَّبِّکَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِی الأَرْضِ وَلاَ فِی السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِکَ وَلا أَکْبَرَ إِلاَّ فِی کِتَابٍ مُّبِینٍ) (سورة یونس: 61)

وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِی خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ یَعْلَمُ مَا یَلِجُ فِی الْأَرْضِ وَمَا یَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا یَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا یَعْرُجُ فِیهَا وَهُوَ مَعَکُمْ أَیْنَ مَا کُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِیرٌ) (سورة الحدید: 4)

هذه النقطـة تکشف الفهم الوثنــى للبوذیین والکثیر غیرهم. فأتباع بوذا یعتبرونه کما لو کـان یرى ویعلم کل شیء .إنّ تعدد تماثیل بوذا فی البلدان التی تشکل البوذیة فیها الدیانة السائدة، وعیــون بوذا المصورة فى کل معـبد کلّها تشهد باعتقاد البوذیین المنحرف والضال بأنّ بوذا یراهم فی کل لحظة بعینیه المصنوعتین من الحجر أو الخشب، ویسمعهم بأذنیـــه المتخشبة. ولهذا السّبب فقد ملئوا مساکنهم بتماثیله وهم یقومون أمامها بممارسة فروض التوقیر.

وبتلک الأفعال فإنهم یتصرفون بما یتنافى مع المنطق ویرتکبون خطیئـة کبرى. ویخبرنا القرآن الکریم أنّ من یشرکون الآخرین مع الله قد خدعوا خداعًا کبیرًا، وأنّ ما صنعوه من آلهة لا تغنی عنهم شیئا: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ یَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَیْدٍ یَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْیُنٌ یُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَان یَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَکَاءکُمْ ثُمَّ کِیدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ) (سورة الأعراف: 195).

ولا تنس أنّ الوثنیـّة لا تعنى فـقط عبــادة التماثیل المادیّة، فأیّ شخص یقدّس بشرًا آخر لما عنده من الملک والغنى معتقدًا أنّه بذلک ینفعه أو یضرّه فقد جعل من ذلک الإنسان معبودًا وإله دون أن یدری، ودون أن ینتبه إلى أنّ مثل هذه الأشیاء الزّائلة إنما هی ابتلاء وفتنة. إنّ الله یحذرنا فی القرآن الکریم من کل هذا بقوله:

(وَمِنَ النَّاسِ مَن یَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً یُحِبُّونَهُمْ کَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِینَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ یَرَى الَّذِینَ ظَلَمُواْ إِذْ یَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِیعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِیدُ الْعَذَابِ) (سورة البقرة: 165)

وَالَّذِینَ آتَیْنَاهُمُ الْکِتَابَ یَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَیْکَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن یُنکِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِکَ بِهِ إِلَیْهِ أَدْعُو وَإِلَیْهِ مَآبِ (13.36)

إنّ بـوذا عبد لا حول له ولا قوة، وقد خلقه الله فی هذا العالم؛ ولیس لدیه قدرة أو إرادة مستقلة للتأثیر على الناس. فهو یتحرک بإرادة الله، وقد عاش حیـاته التی وهبها الله له وفقا للمصــیر الذی حدده الله عز وجل. إنّ کلام سیدنا إبراهیم علیه السلام الذی نقله لنا القرآن الکریم یعبّر بوضوح عن عجز البشر أمام إرادة الله سبحانه وتعالى المطلقة: (الَّذِی خَلَقَنِی فَهُوَ یَهْدِینِ وَالَّذِی هُوَ یُطْعِمُنِی وَیَسْقِینِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ یَشْفِینِ وَالَّذِی یُمِیتُنِی ثُمَّ یُحْیِینِ وَالَّذِی أَطْمَعُ أَن یَغْفِرَ لِی خَطِیئَتِی یَوْمَ الدِّینِ) (سورة الشعراء: 78-82).

لقد عاش بوذا قدَره ومصیره الذی رسمه الله له، وحینما حـلّ أجله مات وهلک، ویتعین ألا ننسى أنّه بدون إرادة الله تعالى لا یتسنى لأحد أن یؤمن، فالله هو الذی یهدی البشر. وما لم یرد الله فلن یکون بوسع أحد إرشاد الآخرین إلى الطریق الصّحیح. کما أنّ الله یرشد النّاس نحو الحقیقة والجمال. إنّ الدّعوة والکلام یؤثران فی قلوب الناس إذا أراد الله ذلک. حقا إنّ الله هو القوّة المطلقة الوحیدة التی ینبغی تعظیمها وحبّها وطلب العون منها، یقول تعالى: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِیٌّ عَزِیزٌ) (سورة الحج: 74).

فَلاَ تَکُ فِی مِرْیَةٍ مِّمَّا یَعْبُدُ هَـؤُلاء مَا یَعْبُدُونَ إِلاَّ کَمَا یَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِیبَهُمْ غَیْرَ مَنقُوصٍ (11:109)

یعطی القرآن أمثــلة عـدیدة لأناس یعبدون الأوثــان. ومن الأمثلة على ذلک، قوم إبراهیم المشرکین الذین نحتوا ما یشبه آلهتهم من أصنام، وعبدوها واستمعوا لمناجاتها. وفی القرآن الکریم یحدثنا الله سبحانه وتعالى عن هذه الأصنام:

(إِذْ قَالَ لِأَبِیهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِیلُ الَّتِی أَنتُمْ لَهَا عَاکِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِینَ) (سورة الأنبیاء: 52-53)

وکما توضّح هذه الآیــات فقد اتبع البشر ذلک النّوع من العبادة کمیراث خلفه لهم أسلافهم. لذا فإنّ عبادة الأوثان بغض النظر عن انعدام منطقها یمکن أن تکون نوعًا من النشاط الاجتماعی الذی یرجع إلى أیام الطّفولة ولا ینظر له بغرابة حتى فی أکثر المجتمعات تقدما. وفی القرآن الکریم یذکر الله تعالى أنّ قوم سبأ کانوا مثل قوم إبراهیم لا یختلفون عنهم فی شیء

(وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا یَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَیَّنَ لَهُمُ الشَّیْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِیلِ فَهُمْ لاَ یَهْتَدُونَ) : (سورة النمل: 24-25).

هذه الآیات تلفت نظرنا لنقطة مهمة أخرى، وهی أنّ الشیطان جعل من العقائد الوثنیة فی أذهان الناس أشیاء مقبولة وذات معنى من أجل إبعادهم عن سبیل الله. إنّ الشیطان یعلم على سبیل المثال أنّ الشّمس لیست إلهًا لتُعبد وإنّما هی مثل سائر المخلوقات الأخرى. وبمعنى آخر فإنّ کل عقیدة وثنیـة تعارض الوحی الرّبانی تنبع بالفعل من وحی الشّیطان الذی یفعل ذلک حتى یشوّش على الناس علاقتهم بالله تعالى.

وهنالک مثل آخر للوثنیة ذکره الله سبحانه وتعالى فی القرآن الکریم ویتعلق ببنی إسرائیل، فعندما کانوا هاربین من فرعون وقومه مع موسى علیه السلام وجدوا أناسًا یعبدون الأصنام وطلبوا من موسى أن یصنع لهم صنما مشابها لما عندهم، ویخبرنا القرآن عن تلک القصة:

(وَجَاوَزْنَا بِبَنِی إِسْرَائِیلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ یَعْکُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ یَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً کَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّکُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِیهِ وَبَاطِلٌ مَّا کَانُواْ یَعْمَلُونَ) (سورة 7 الأعراف: 138-139)

وَلَلَّهِ مُلْکُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ وَیَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ یَوْمَئِذٍ یَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (45:27)

من هذا العرض نجد أنّ بنى إسرائیل وقد تصرفوا بجهل یریدون إلها یرونه بأعینهم ویرکعون له، وربما أداء طقوس احتفالیة له. وهذا یدلّ على أنّهم لم یقدّروا الله حق قـدره. ورغم أنّ موسى أبان لهم وجه الحق سرعان ما صنعوا لأنفسهم صنمًا حالما فترکهم موسى وأعلمهم أن ما هم فیه ضلال عظیم. ویخبرنا الله سبحانه وتعالى بأنّ الندم سرعان ما انتابهم بعد ذلک:

(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِیِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ یَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ یُکَلِّمُهُمْ وَلاَ یَهْدِیهِمْ سَبِیلاً اتَّخَذُوهُ وَکَانُواْ ظَالِمِینَ وَلَمَّا سُقِطَ فَی أَیْدِیهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ یَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَیَغْفِرْ لَنَا لَنَکُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِینَ) (سورة الأعراف: 148-149)

غیر أن الله سبحانه وتعالى قد ردّ على من اتخذوا من العجل إلها فی القرآن الکریم حین یقول:

(إِنَّ الَّذِینَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَیَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِی الْحَیاةِ الدُّنْیَا وَکَذَلِکَ نَجْزِی الْمُفْتَرِینَ) (سورة الأعراف: 152).

إنّ هذه الآیات توضح أنّ الله إذا أراد بطش بمن یشرکون به من مخلوقاته، ومن یفعلون ذلک یفترون الکذب فى الواقع، فالحقیقة الثابتة هی أنّ ثمة إلها واحدًا لا شریک له. إنّ الرّکوع لهذه الآلهة المصنوعة جریمة نکراء. وکما جاء فی القرآن الکریم فالله یمکن أن یغفر لمن یرتکب أیّ خطیئة، ولکن لا یغفر أبدًا لمن یشرک به فی عبادته:

(إِنَّ اللّهَ لاَ یَغْفِرُ أَن یُشْرَکَ بِهِ وَیَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِکَ لِمَن یَشَاءُ وَمَن یُشْرِکْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِیماً) (سورة النساء: 48)

قُلْ کَفَى بِاللَّهِ بَیْنِی وَبَیْنَکُمْ شَهِیداً یَعْلَمُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِینَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَکَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِکَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (29:52)

ِنَّ إِلَهَکُمْ لَوَاحِدٌ (37:4)

إنما الله إله واحد

من أهم الأسس التی قام علیها الإسلام معرفة وجود الله وفهم حقیقة أنه لا إله إلا هو. والقرآن الکریم، المصدر الأول للدین الإسلامی یخبرنا بأن التوحید هو أعظم أرکان الدین:

(وَإِلَـهُکُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِیمُ) (سورة البقرة: 163)

نعم، یوجد موجود واحد مطلق وکل ما سواه من خلقه فان. لقد خلق الله الکون الذى نعیش فیه، وقبل أن یخلقه لم یکن شیئا، لم تکن المادة موجودة؛ ســواء من الحیوان أو من الجماد، لم یکن هنالک شیء سوى فـراغ مطبق. وفی لحظة الخلق فقط ظهر الکون، وبدأ الزّمن. نعم إن الله تعالى هو الذی أوجد الفضــاء والمــادة. فالله سبحانه هو الخالد السّرمدی الذی لا یخضع للمادو ولا للزّمن. فی إحدى آیات القرآن الکریم یتحدث سبحانه وتعالى عن نفسه فیقول:

(بَدِیعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا یَقُولُ لَهُ کُن فَیَکُونُ) (سورة البقرة: 117).

قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَیْنَهُمَا إِن کُنتُمْ تَعْقِلُونَ (26:28)

وَإِذَا النُّجُومُ انکَدَرَتْ (87:2)

الله أبدع کل شیء یجری فی هـذه اللحظة وکل لحظة، ویخلق الله دوما کلّ قطرة مطر تسقط، وکل طفل یولد، والتمثیل الضوئی الذی یحدث فی أوراق النبات ووظـــائف الکائنات الحیة، ومدارات النجوم فى مجراتها، وکل حبة تسقط، وکل ما نعلمه وما لا نعلمه، وکلّ شیء فی الکون کبیرًا کان أم صغیرًا یعمل بأمره:

(أَمَّن یَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ یُعِیدُهُ وَمَن یَرْزُقُکُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَکُمْ إِن کُنتُمْ صَادِقِینَ) (سورة النمل: 64).

وبدءا من خلایا الأحیاء مرورًا بالنجوم فی الکون فإنّ کل النّظم قد وجدت بترتیب بدیع وهی تعمل بإحکام وکمال. وهذا النظام المُدهش الذی لا یخرج عن سیطرته وتحکمه فی کل لحظة یستمر هکذا بکمال متسق لأنّ ربنا سبحانه وتعالى محیط بکل ما فیه بعلمه السّرمدی:

(الَّذِی خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِی خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ کَرَّتَیْنِ یَنقَلِبْ إِلَیْکَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِیرٌ) (سورة الملک: 3-4)

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِی الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَیَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا کُلٌّ فِی کِتَابٍ مُّبِینٍ (11:6)

إنّ جحود الله تعالى وإنکاره ونسبة الوعی والأدراک لأی من الأشیاء التی خلقها یظهر قدرًا کبیرًا من سخف العقل. فنسق الکون البدیع وانعدام الخلل والنقص فی جمیع المخلوقات یثبت لنا أنّ الذی أوجدها خالق واحدٌ قدیر. والقرآن الکریم یقرر أنه الله بیده ملکوت کل شیء، ولا توجد قوة مستقلة بذاتها فی هذا الکون:

(مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا کَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ کُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ) (سورة المؤمنون: 91).

إنّ الله موجود فی کلّ مکان، وهو یسع کل شیء بعلمه، وهو الموجود الحقیقی المطلق الوحید، وکل الأشیـاء تأتمر بأمره وإرادته. إنّ الله موجود فی کلّ لحظة وکلّ مکان، ولا یوجد مکان یخلو منه ولا یوجد مخلوق حی لا یخضع لإرادته، وهو الکافی والمنزّه عن کل ضـعف أو نقص:

(اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَیُّ الْقَیُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِی یَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ یَعْلَمُ مَا بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ یُحِیطُونَ بِشَیْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ کُرْسِیُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ یَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِیُّ الْعَظِیمُ) (سورة البقرة: 255).

َهُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِیُّ الْعَظِیمُ (42:4)
 

تاریخ ارسال: 1390/01/15 ساعت 02:17 ب.ظ | نویسنده: . | چاپ مطلب
نظرات (0)
برای نمایش آواتار خود در این وبلاگ در سایت Gravatar.com ثبت نام کنید. (راهنما)
نام :
پست الکترونیک :
وب/وبلاگ :
ایمیل شما بعد از ثبت نمایش داده نخواهد شد